إسرائيل غارقة في الفساد

تم نشره في الجمعة 29 أيلول / سبتمبر 2006. 02:00 صباحاً

غارقة إسرائيل في هذه الأيام في سلسلة من ملفات الفساد التي تطال عددا من كبار قادتها، وتكفي الإشارة بداية إلى آخر أربعة رؤساء حكومات في إسرائيل، بمن فيهم الحالي، خضعوا لتحقيقات جنائية حول شبهات بالفساد، ومن هذه الملفات ما تم إغلاقه "لنقص الأدلة" رغم محاكمة مساعدين لهم في القضية نفسها المرتبطة برؤساء الحكومات أنفسهم.

من الواضح ان الفساد لم يتوقف فقط عند الفساد المالي، وإنما انسحب أيضا على الفساد الأخلاقي، كما نسمع ونشهد فضيحة الرئيس الإسرائيلي موشيه كتساب (61 عاما) الذي يواجه لا أقل من عشر شكاوى من موظفات عملن لديه حين تولى مناصب مختلفة، بما فيها المنصب الأخير، بأنه تحرش واعتدى عليهن جنسيا، وثلاث من هؤلاء الشابات يتهمنه باغتصابهن، وطبعا كتساب ليس وحيدا فإلى جانبه، في قفص الاتهام أمام المحكمة، هناك وزير القضاء (العدل)، حاييم رامون، الذي اضطر للاستقالة من منصبه، بتهمة التحرش الجنسي بجندية تعمل في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية.

أصبحت الفضائح الجنسية، في السنوات الأخيرة، مطروحة طوال الوقت على "جدول الأعمال الإسرائيلي"، إذ لم تمر فترة من دون فضيحة من هذا النوع تطال مسؤولا سياسيا أو عسكريا، أو ثريا كبيرا من الذين لهم باع إما في السلطة أو في المؤسسة الاقتصادية العليا.

ولكن ما هي قيد معالجتنا الآن، مسألة استفحال الفساد المالي في إسرائيل على أعلى المستويات، خاصة في السنوات الخمس عشرة الأخيرة، بعد ان تسارعت التغييرات في شكل عمل كبرى الأحزاب، خاصة المنافسة على السلطة منها، وحين أصبح السياسي بحاجة إلى أموال طائلة للوصول إلى سدة الحكم، أو إلى أضيق حلقة في رأس الهرم السلطوي في إسرائيل.

وطالما أننا تكلمنا عن آخر أربعة رؤساء حكومات، فإننا نرى مثلا، أنه حتى الآن فإن بنيامين نتنياهو وإيهود باراك وأريئيل شارون، تورطوا في ملفات تتعلق بإقامة جمعيات وهمية تتلقى ملايين الدولارات من أثرياء في إسرائيل وأثرياء يهود ومقربين لإسرائيل في العالم، لتمويل حملاتهم الانتخابية، ففي حالة نتنياهو وباراك تم توجيه لوائح اتهام ضد موظفين عملوا إلى جانبهم، ولم تقدم لوائح اتهام ضدهما.

أما في قضية شارون، فإن الفضيحة كانت متشعبة جدا، تطلبت التحقيق الجنائي في ثلاث دول أجنبية عدا إسرائيل، ولم يغلق الملف، الذي تجمد العمل فيه بعد سقوط شارون على فراش المرض منذ عشرة اشهر. ومن شديد السخرية أنه في أحد هذه الملفات تم توجيه التهمة لرجل الأعمال دافيد أبل، بأنه دفع رشوى لرئيس الحكومة شارون، وفي الوقت نفسه فإن المدعي العام نفسه، قرر عدم توجيه تهمة لشارون في القضية ذاتها، بزعم "نقص الأدلة"، وأمام أجواء الاستغراب والسخرية، وبعد بدء المحاكمة، تم إغلاق الملف ضد أبل.

وبطبيعة الحال فإن رؤساء الحكومات، السابق ذكرهم، تورطوا في فضائح فساد أخرى، مثل تلقى هدايا ثمينة، أو دعم خارجي يحظره القانون، واستغلال ممتلكات الدولة، كما في حالة نتنياهو وغيرها.

أما رئيس الحكومة الحالي إيهود أولمرت، فإنه حتى الآن يواجه لا اقل من أربع قضايا تشتم منها رائحة الفساد، ثلاث منها تتعلق بشراء وبيع عقارات، بحيث يبيعها بسعر أعلى من قيمتها، ويشتريها بسعر أبخس من ثمنها، وكل الدلائل تشير إلى ان الاتجاه، ولربما بعد عامين أو أكثر، هو توجيه لوائح اتهام ضد أولمرت، هذا إذا سارت الأمور بشكل طبيعي، وليس كما حدث مع أسلافه الثلاثة .

لا يقتصر الأمر على رؤساء الحكومات، فهناك أيضا وزراء وأعضاء كنيست ومسؤولون كبار متورطون في قضايا فساد، فمثلا في الدورة البرلمانية السابقة، التي انتهت في ربيع العام الحالي، بانتخابات برلمانية جديدة، واجه لا اقل من 27 نائبا ووزيرا إما تحقيقات جنائية أو شبهات أو حتى محاكمات في قضايا فساد، وكان هذا رقما قياسيا، ونترقب حاليا ما إذا ستنافس الدورة البرلمانية الحالية سابقتها بهذا الكم، فبعد مرور خمسة اشهر على بدايتها نرى ان رئيس الحكومة ووزير ونائبين على الأقل، حتى الآن، باتوا متورطين بقضايا وشبهات فساد مالي وأخلاقي.

إلى جانب هذا كله، فإن إسرائيل أصبحت مرتعا لأثرياء ورجال أعمال كبار جدا، ليس فقط على مستوى إسرائيل وإنما العالم، المتورطين بالفساد وقضايا المافيا وتبييض الأموال، وعلى الرغم من كل التحقيقات التي تجري معهم، والشبهات حولهم، إلا أن باعهم في أروقة السلطة كبير جدا، مثل رجل الأعمال السابق ذكره، أبل، ورجل الأعمال الروسي اليهودي غايدميك، وغيرهما، ومن بينهم من هو مطلوب للمحاكمة في دول أخرى، ولكنه يلتجئ لإسرائيل ويدر عليها أمواله، ويتقرب للسلطة بشكل مذهل.

هناك من سيرى في جانب العلنية وكأنه أمر ايجابي في إسرائيل، أو أن تسمع من يقول، "على الأقل هناك جهاز رقابة قوي في إسرائيل"، ولكن هذه نظرة ليست دقيقة، فوظيفة العلنية أو الرقابة، هو ان تجعل كل مسؤول يعمل ألف حساب قبل أن يتورط في قضايا فساد، ولكن ما يجري هو أمر معاكس، فعلى الرغم من كثرة القوانين التي تسن بغزارة في إسرائيل وباستمرار، وتضع تقييدات ومقاييس لنزاهة الحكم، وعلى الرغم من كثرة الرقابة، ودور الإعلام في كشف الفضائح، فإن الفضائح تزداد وليس العكس.

الشعور العام، هو ان الفساد أصبح ظاهرة عادية في سدة الحكم الإسرائيلي ومحيطها، "والكل يعرف عن الكل"، ولكن كل طرف ينتظر اللحظة المناسبة للإيقاع بخصمه، فمثلا الفضيحة الجنسية للوزير رامون، كان بالإمكان اعتبارها "حادثا عاديا"، ضمن الأخلاقيات السائدة، ولكن، وهذا ما ينشر في الصحافة الإسرائيلية، هناك من قفز عليها ليسقطه ويبعده عن منصبه، كوزير للقضاء، بخاصة انه كان ينوي إحداث انقلاب في المحكمة العليا، رغم ان هذا الانقلاب الذي كان يخطط له كانت فيه رائحة قوية من الفساد.

منذ منتصف سنوات التسعين في القرن الماضي، بدأت الشرطة الإسرائيلية تتحدث صراحة عن تغلغل أوساط لها علاقة بالمافيا الروسية في إسرائيل، وأن هذه الجهات أصبح لها باع في السلطة، ونجحت في إيصال سياسيين يخدمون مصالحها إلى البرلمان الإسرائيلي وحتى إلى الحكومة.

إلا أن هذا الإنذار لم يضع حدا لهذه الظاهرة، لا بل إنها استفحلت، وليس بالضرورة ان تقتصر على المافيا الروسية، فطالما ان وصول السياسي إلى سدة الحكم سيجعله دائما بحاجة إلى أموال طائلة لتحقيق هدفه، فإنه سيبقى طوال الوقت رهينة للجهات التي تحدثت عنها الشرطة الإسرائيلية أو الشبيهة بها.

المشهد العام الحاصل هو ان إسرائيل باتت تتأقلم مع هذه الظاهرة، لا بل أصبحت "مصدر رزق" لوسائل الإعلام، كونها تحتل يوميا ساعات طويلة في الإعلام الالكتروني، ومساحات شاسعة في الصحافة المكتوبة، وحتى انها باتت موضوعا للتسلية في حديث الشارع الإسرائيلي، وتغطي على القضايا المركزية التي تواجهها إسرائيل .

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

[email protected]

التعليق