د.باسم الطويسي

النادي الأممي

تم نشره في الأحد 24 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

انتهت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الأخيرة، كما يتكرر في كل مرة إلى لا شيء يذكر، بعد ان أصبحت هذه المؤسسة الأممية الضخمة ذات الخمسين ألف موظف اكبر ناد سياسي عالمي يلتقي فيه اكبر حشد من الزعماء والقادة والدبلوماسيين. بل ان وصف النادي السياسي الاممي هو الأكثر دقة لمهمة الأمم المتحدة وجمعيتها العامة كونها تتيح فرص الالتقاء وتبادل العلاقات الدبلوماسية حيث حق الكلام مطلق، وعقد الصفقات الجانبية أيسر وأكثر عملية بين اكبر حشد من القادة والسياسيين من دون عناء البروتوكولات الدولية.

الأمم المتحدة ومجلس أمنها العتيد أصبحت أكثر الأماكن ملاءمة لتفجير الأزمات والعدمية السياسية التي بدت في آخر صورها قبل يومين حينما ذهب العرب إلى الأمم المتحدة بتوصية الجامعة العربية يحملون مبادرتهم للسلام في يد ونعي مسيرة التسوية السياسية في اليد أخرى، ولم يكتفوا بأنهم لم يسمعوا جملة مفيدة واحدة من المجلس العتيد، بل فجروا أزمة داخلية بينهم وعادوا بخفي حنين، رغم مرور خمسين عاما من الحراثة على الطريقة العربية في بحر الأمم المتحدة لم تتعلم الدبلوماسية العربية ولا شيوخها الجدد ان العالم لن يستمع لأصوات نشاز متناقضة.

يأتي ذلك بعد ما سمعناه من خطابات انقلابية من الجامعة العربية التي سلمت بموت العملية السلمية وحزمت أمورها بالعودة إلى الشرعية الدولية، وكأن نادي الدول الكبرى الذي يشكله مجلس الأمن يسمح أان يشاركه احد في تحديد جدول الاهتمامات الأممية إذ لم يستطع ان يفرضها.

المؤسف من الناحية التاريخية ان أكثر أقاليم العالم التي انشغلت بها الأمم المتحدة هي منطقة الشرق الأوسط. كما تدل على ذلك مضامين قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة من دون ان تسهم بتحقيق لا السلم ولا الأمن في هذا المكان من العالم، بل استثمرت كأداة لتعقيد الموقف وتنفيذ إرادة القوى العظمى. وهذا الأمر يتكرر في العديد من أقاليم العالم الأخرى فنظام العقوبات الاممي لم ينجح في تحقيق أهدافه سوى في (14%) من الحالات، وخلال آخر ثلاثة عقود فشلت الأمم المتحدة في الإسهام في حل أكثر من نصف الصراعات الكبرى في العالم من ضحايا مجزرة (سربرنيتشا) في يوغسلافيا إلى ضحايا رواندا، وصولاً إلى جنين وغزة والعراق.

النظام الرسمي العربي صمم الإقدام على عمل تاريخي، بالعودة بملف التسوية السياسية إلى الشرعية الدولية ومصدرها مجلس الأمن، رغم ان هذا النظام يعلم ان الدرس السياسي، الذي تدركه الجماهير العربية ونخبها أكثر من أي درس آخر، ان لا أمل يرجى من هناك، وكأن هذا النظام لم يأخذ علماً بأن المنظمة الدولية قد لحقت بالرفيق الأعلى قبل ان يعلن عمرو موسى موت مسيرة التسوية بسنين، بل انها أصبحت بحكم الميتة منذ 12 أيلول 2001، حيث أعلن في ذلك اليوم نهاية عصر القانون الدولي وبداية عصر القوة وقانونها من دون قشور، والذي شهد العالم فصوله المتلاحقة من أفغانستان إلى العراق، وربما وحدهم العرب من بقي في العالم يأمل خيراً من الأمم المتحدة حتى وهي في عداد الموتى.

الأمم المتحدة اليوم في مرحلة تشبه عصبة الأمم في نهاية عقد الثلاثينيات ومع بدايات الحرب العالمية الثانية، وإذا كانت الولايات المتحدة هي التي أنهت عصبة الأمم فهي اليوم من اغتال مهام الأمم المتحدة وتستعد قريباً لدفنها، وما زال العرب وحدهم من يخطئ العنوان.

ختم النمساوي الكبير فالدهايم سيرة الأمم المتحدة بوصفها "آلية للكذب من أجل السلام"، وبعد ذلك مادلين اولبرايت "الولايات المتحدة وليس الأمم المتحدة التي تحفظ التوازن الدولي"، ولعل أهم إنجاز في تاريخ هذه المنظمة انها اكبر مؤسسة تستهلك الورق في العالم واكبر زبائنها العرب الذين يختمون هذه الأيام سيرتها بعدمية سياسية مرة.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق