ياسر أبو هلالة

عندما يصوم الطغاة

تم نشره في الأحد 24 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

رمضان الإنسان الفرد أم رمضان الأمة الجماعة؟ هو هو. كما الشجرة والغابة. تكتشف فيه ذاتك كما تكتشف فيه أمتك. وكلما أورقت الشجرة اخضرت الغابة. رمضان عندما يزورنا يطرق باب كل واحد يتساوى فيه الحاكم والمحكوم الغني والفقير السليم والعليل كل لديه ما يقدمه لضيفه. منهم من يكرمه ومنهم من يرده والأسوأ من يكرمه بالغش فيغدو الشهر طقسا فظيعا بلا قيمة.

لم أكن قد اكتشفت قدرتي على الطغيان "إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى" عندما بدأ الوالد رحمه الله  يتدرج بنا نحو الصيام. كان الشهر يأتي في عز الصيف. يقترب الظهر فأسأل هل يجوز أن أشرب الماء فقط؟ نعم يجوز. أدرك كم الماء عزيز. الصحو عند السحور عرفني كم النوم عزيز أيضا. أبسط الأشياء عندما تفقدها تصبح أثمن الأشياء الماء والنوم.

القدرة على الطغيان تبدأ عندما تعرف كم في الحياة من أشياء ثمينة لا تكتفي منها. في الصوم تكتشف أن الخالق الذي منحك الغرائز والإمكانات منحك القدرة على التحكم بهما. قدرة لا تــأتي إلا بالتدريب المستمر. ورمضان هو المناورة السنوية التي تدخلها تحسبا لمعارك لا تدري متى تندلع. قد تكون المعركة مع المال مع النساء مع الجاه والسلطة وغير ذلك من معارك تمتد من شروق الشمس إلى غروبها.

ليس الصوم احتقارا للحياة بقدر ما هو احتفاء بها. فالحياة ليست ملذات مرئية محسوسة. فيها ما هو ألذ عندما يسمو روحا بلا حدود. الإنسان بين لمة من شيطان ولمة من ملاك. في رمضان تصفد الشياطين وتطلق الملائكة. عندما تمتنع عن شهواتك المباحة ولو لساعات معدودة تغدو في عالم الملائكة الذين خلقوا لعبادة الله ولا يعصون الله ما أمرهم. الإنسان منحه الله القدرة على العصيان في الوقت الذي فتح له للتوبة أبوابا.

في الصوم يبدو الإسلام كم هو منطقي، بعيدا عن إساءات البابا مقصودة أم عفوية. فالجسد ليس خطيئة والمتعة ليست دائما من الشيطان وكثيرا ما تكون من الرحمن. لكن الجسد يحتاج إلى منطق يضبطه وينظم علاقته بالروح. بلا مادية ولا رهبانية. والعقل هو الطريق إلى الله الذي لا يحتاج إلى وسائط. لا بابا ولا كرادلة، علاقة الإنسان بخالقه مباشرة. بوفاة خاتم الأنبياء انقطع الوحي بين السماء والأرض، وظل كتاب الله مفتوحا لمن شاء أن يقرأ ويعمل. وأول آية أنزلت كانت "إقرأ" ولم يكن القرآن قد تنزل، القراءة كانت في الخلق إنسانا وكونا "إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم".

الله يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار فقط. من زهد بالعرض اليومي أمامه العرض السنوي الممتد شهرا. وأكثر اسما من أسماء الله يلحق لفظ الجلالة: الرحمن الرحيم. في أكثر صيغ المبالغة التي تعرفها اللغة. وفي الحديث أن الله يفرح بتوبة عبده أكثر ممن أضاع راحلته في فلاة ولما وجدها قال من شدة الفرح "اللهم أنت عبدي وأنا ربك". مع ذلك يمر رمضان وكثير لا يتوبون ولا يدخلون أبوابا مشرعة لا تنتظر من يطرقها ولا يفرحون الله  بعودتهم إليه.

إن الإنسان ليطغى عندما يستغني عن خالقه. والطغيان هو تجاوز الحد. وفي رمضان يفترض أن يعود كل إنسان إلى حدوده. التوبة مفرحة من البسطاء عجوز اغتابت جارتها أو فتى رتع في لهوه أو.. لكنها تكون مفرحة أكثر من الطغاة الكبار الذين تجاوزا كل الحدود. أولئك يفرح الله وخلق الله بتوبتهم لأن طغيانهم لا يضرهم وحدهم وإنما ينسحب على خلق الله.

أولئك يعتقدون أنهم يضحكون على الله – حاشاه- وعلى خلقه. يعتمرون ويقيمون موائد الرحمن ويتبعون صدقاتهم بالمن والأذى رآء الناس. والله غني عن طوافهم ببيته والناس غنية عن الطواف بموائدهم. لو توقف هؤلاء عن سرقة اللقمة من أفواه الجياع لكفوهم من موائد الذل. الفقر في العالم الإسلامي ليس صدفة عمياء. هو نتيجة لعملية سرقة منهجية يستفيد منها لصوص معروفون، ولو تاب هؤلاء وتوقفوا عن السرقة لشبع الناس.

لا أريد الدخول في  تفاصيل أرقام عن حجم الثروات الشخصية في العالم العربي والإسلامي، ولا في حجم الفساد وغياب الشفافية، فالأرقام والدراسات متاحة لمن أراد. لكن ألا يجد أولئك اللصوص الطغاة وقتا للمراجعة في رمضان. عندما يذوق طعم الجوع لساعات ألا يشعر بمن يجوع العمر كله؟ ليس المطلوب أن يجوع مثلهم. المطلوب أن يضع حدا لمتع بلا حدود.

لا رهبانية في الإسلام، وفي رمضان تتجلى حكمة الإسلام في التعامل مع الإنسان باعتباره جسدا وروحا. فالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في حواره مع الثلاثة الذين قال أحدهم أنه سيصوم ولن يفطر وثان سيقوم الليل كله ولن ينام وثالث لن يقرب النساء قال أنه يصوم ويفطر ويقوم وينام ويقرب النساء. فالغرائز لا تستطيع إلغاءها لكنك تستطيع التحكم بها وتنظيمها. والجسد هو وعاء الروح.

مع السحر يكتشف الإنسان علاقته بالكون، حركة الشمس البعيدة جزء منه، يسبقها بلقيمات يقمن أود جسده الفاني، والروح الباقية في الشهر الكريم تحتاج إلى أكثر من لقيمات. السنة بأجر فريضة والفريضة بأجر سبعين. الصلاة ليست طقسا أيضا إنها الاتصال بالله في علاه. الوجه أكرم ما في الجسد توسده الأرض ذلا وتضرعا وخشية لمن يستحق ذلك، وهو وحده من يستحق. ومن يذل لمن في السماء لا يذل لمن في الأرض، ومن كان عبدا له كان حرا أمام غيره. يتحرر من كل الأغلال في داخل جسده وفي خارجه، كما قال أبو العتاهية الذي كان شاعر المجون

أطعت ذنوبي فاستعبدتني      ولو أني عصيت لكنت حرا

في الغروب تبعد الشمس وتشرق الروح، للصائم فرحتان، وكـأنك تعود إلى الحياة. الحياة ليست الماء والطعام والعائلة والأصدقاء، الحياة هي الصلة بين السماء والأرض. ولا تستقيم إلا بهما معا. في رمضان عائلة الإيمان التي تلتقي على موائد الروح في صلاة التراويح. لم أجد تعبيرا عن الشعور وقت التراويح من فتاة صلتها للمرة الأولى في حياتها إذ أحست أنها "خفيفة". ما أحوجنا إلى خفة الروح تنشلنا من أثقال الجسد.

بعيدا عن الأهل والأحبة في عمان، رمضان في صنعاء، أتذكر صغيرتي رند في أول يوم صامته، أصرت أن تتسحر وتصوم ولم تفلح كل محاولات ثنيها عن ذلك. تصوم وهي لا تطغى وأكثر من يصومون مثلها. وما أحوجنا إلى صيام الطغاة. فعندما يصومون حقيقة لا ادعاء نكون بخير.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق