أيمن الصفدي

"تقرير هيومن رايتس ووتش"

تم نشره في الخميس 21 أيلول / سبتمبر 2006. 02:00 صباحاً

يحتاج العالم منظمات غير حكومية تمارس رقابة موضوعية على الحكومات والمؤسسات الرسمية. وفي زمن بدأت تتكسر فيه مفاهيم السيادة البائدة التي احتمت خلفها حكومات لقمع شعوبها وانتهاك حقوقهم، تتنامى الحاجة لمنظمات عبر قطرية تعمل باستقلالية عن سيطرة الأنظمة الرسمية وتستمد شرعيتها من سلطة أخلاقية عمادها الحيادية والصدقية.

لعقود طويلة، احتكر الغرب إنتاج هذه المنظمات. ولأسباب بعضها موضوعي مرتبط بغياب مساحات الحرية في دول العالم الثالث، بات فرضاً أن يكون الغرب موطن هذه المنظمات حتى تحظى بالاحترام والقبول.

لكن العالم تغيّر. وبدأت مؤسسات مجتمع مدني مولودة من عمق معاناة دول العالم الثالث تفرض حضورها وتبني من خلال عمل جاد مثابر مكافح صدقية تنافس تلك التي بنتها منظمات دولية عبر عقود من العمل في مجتمعات أكثر انفتاحا وتطوراً.

ما تغيّر أيضاً هو الموقع الأخلاقي لدول الغرب. فما عادت هذه تستطيع ادعاء أفضلية أخلاقية مطلقة في احترام حقوق الإنسان والمواثيق الدولية.

وكما فقدت الكثير من المؤسسات الإعلامية الغربية ما كانت تدعيه من تقدم مهني وأخلاقي على مثيلاتها في دول نامية بعد أن عرّاها أداؤها خلال تغطياتها لأزمات الشرق الأوسط، فقد النظام الرسمي الغربي أوراقاً أخلاقية إنسانية كان يستخدمها في حديثه الفوقي إلى "العالم الآخر".

ولعل في السذاجة التي بدا فيها الرئيس الأميركي جورج بوش خلال كلمته في الأمم المتحدة أول من أمس وهو يحاضر العالم العربي حول الديمقراطية والقيم الإنسانية وحقوق الانسان دليلا على فقدان الإدعاءات الغربية الأسبقية الأخلاقية مشروعيتها.

حاضر بوش الفلسطينيين والأردنيين والمصريين والعراقيين والأفغانيين واللبنانيين والسوريين والخليجيين والإيرانيين والسودانيين عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. كان كلامه الانتقائي، الذي ألغى الظلم التاريخي للفلسطينيين، والبربرية الإسرائيلية، والفوضى التي أسقطت سياساته العراق وافغانستان فيها، مدعاة للسخرية، وسببا آخر لتفاقم الغضب العربي على أميركا وعلى الغرب.

لم يشر بوش الى غوانتنامو ولا إلى سجون المخابرات المركزية الأميركية السرية في أوروبا، ولم يتطرق إلى دعم بلاده قتل إسرائيل الأبرياء في فلسطين ولبنان.

في السياق ذاته، مقبول، وأحياناً مطلوب، أن تنتقد منظمات، مثل هيومن رايتس ووتش، الأردن ودولاً عربية أخرى وأن تطالب بإصلاحات مؤسساتية ستؤدي إلى بيئة سياسية وتشريعية أكثر حماية لحقوق الناس.

فهذا مطلب أردني قبل أن يكون مطلباً لهذه المنظمات. فالأردن يطرح الإصلاح هدفاً حتمياً. وهذا يفترض ضمناً اعترافاً بقصورٍ وحاجة إلى تطوير.

لكن المطلوب من هيومن رايتس ووتش أن تضع الأمور في سياقها وأن تركز جهودها حيث انتهاكات حقوق الانسان أكثر شيوعاً وآثارها أعم دمارية. فكثير من الاتهامات التي أوردتها منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها حول سيادة القانون ودائرة المخابرات العامة في الأردن الثلاثاء الماضي تحتاج الى إسناد دلائلي. واحتواء التقرير أخطاء واضحة حول آليات انتخاب مجلس النواب وصلاحيات مجلس الأعيان في إسقاط الحكومات رغم توفر هذه المعلومات على أي موقع على الانترنت يفتح الباب أمام التشكيك لمن يريد في منهجية العمل التي اتبعتها هيومن رايتس ووتش في تقريرها.

وقد تكون المعلومات التي أوردها التقرير حول تعرض (16) متهماً لانتهاك حقوقهم القانونية صحيحة. لكن غياب الرأي الآخر في التقرير يضعف من محاججاته واستنتاجاته.

ثمة مصلحة للأردن وأهله في الإشارة إلى أي انتهاكات لحقوق الناس. وشرط الإصلاح تسيد القانون على المسؤولين قبل غيرهم. لكن يجب أن يكون النقد موضوعياً حتى يحقق هدفه. فالمبالغة في الاتهام تولد مبالغة في رد الفعل.

ويبقى القول إنه مطلوب من كل المنظمات الدولية أن تعيد ترتيب أولويات عملها. وحتى تحافظ هذه المنظمات على صدقيتها، ضروري أن تعتمد معايير واضحة لاستنتاجاتها وأن تربط أولويات العمل بحجم الضرر.

فمقابل كل تقرير يصدر عن الأردن أو مصر أو المغرب، يجب أن يصدر عشرة عن غوانتنامو وعن انتهاكات حقوق المتهمين العرب والمسلمين في واشنطن ومئات عن لاإنسانية الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. وقتذاك، تستقبل تقارير هيومن رايتس ووتش بايجابية أكثر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »راي يميني (حمزة حسين)

    الأحد 24 أيلول / سبتمبر 2006.
    هذا رأي يميني، يكتظ بالمغالطات ..
    فالاصلاح ليس حتميا في الأردن
    وليس هناك برنامج، وليس هناك حتى نوايا
    هناك كلام مصروف للإعلام

    ودائرة المخابرات العامة تنتهك القوانين وحقوق الانسان والحريات العامة والخاصة للأردنيين ،

    وبئس ايمن الصفدي
    ونعمت هيومن رايتس ووتش
  • »الرد المتوقع (سليم)

    الخميس 21 أيلول / سبتمبر 2006.
    لقد كان الرد متوقع. نعم الولايات المتحدة فقدت مصداقيتها ولكن مؤسسة هيومن رايتس واتش كان لها دور اساسي في كشف الإعتداءات الأمريكية على حقوق الأنسان في غوانتانمو والعراق . كما ان المأساة الحقوقية لها دور اساسي في كشف جرائم الحرب الإسرائيلية. سيد أيمن كان ابدى لنا ان نتأكد من الحقائق قبل ان ندين الرسالة لأن من الصعب على اي قارئ محايد تصديقنا وتكذيب هيومن رايتس واتش. للأنظمة العربية تاريخ بالقمع الدموي و لهيومن رايتس واتش تاريخ من المصداقية. ولولا مؤسسات مثل هيومن رايتس وآمنستي انترناشونال وبعض الصحفيين الأمريكان الشجعان لما اكتشفنا مدى اجرام النظام الأمريكي وأجهزة القمع العربية.
    وثم علينا ان نكون واقعيين. فليس من الممكن ان يقبل نظاما متهما بخرق حقوق الإنسان بأن يعترف بخروقاته لذلك طلبك من التحقق من المعلومات ليس معقولا. قد يسبب لنا تقرير المؤسسة الإحراج في اسوا الحالات. ولكن ان كان صادقا ودقيقا فقد ينقذ ارواحا. كما ان علينا كأردنيين ان لا نخاف من النقد البناء وان مؤسسة هيومن رايتس لها تاريخ من النضال الحقوقي . ان أصابوا تستفيد الأردن وان أخطاوا لن يموت احد ولا اعتقد انهم يتبلون احدا.