إبراهيم غرايبة

الوحدة العربية ممكنة بلا مغامرات سياسية

تم نشره في الجمعة 15 أيلول / سبتمبر 2006. 02:00 صباحاً

ظلت الوحدة العربية موضوعا لانقلابات وحركات عسكرية قومية أدت إلى مزيد من الفرقة والنفور والتخلف والاستبداد، حتى أصبحت (الوحدة العربية) موضعا للسخرية، ولكن التجربة الأوروبية أثبتت أن الوحدة يمكن أن تنجح إذا كان جوهرها المصالح الاقتصادية والنشاطات والحركات المجتمعية والثقافية، وأنه لا يلزم لتحقيقها الاندماج وتخلي الدول والأنظمة السياسية عن سيادتها وقطريتها، ولكن كل ما هو مطلوب هو إفساح المجال للمصالح الاقتصادية والبرامج الثقافية والمجتمعية أن تتحول إلى برامج واقعية بلا معيقات، وأن تتحول العلاقات العربية الرسمية إلى تكريس وتنسيق المصالح والعلاقات التي تعود على البلاد بالتنمية والازدهار، مثل الاستثمارات والطرق وسكك الحديد والأسواق المشتركة وتنظيم وتبادل الاحتياجات من السلع والكفاءات الفنية.

كان الفكر القومي على مدى السنوات المائة الماضية قائما ومصرا على أن تحقيق المشروع العربي يبدأ بالوصول إلى السلطة، وفي الوقت نفسه فقد كانت الدول والجماعات تستجيب لضرورات القطرية وخصوصيتها، وتمارس في الوقت نفسه فكرا وحدويا طوباويا، فلا الخصوصيات الواقعية أمكن تطويرها لتكون أساسا لتنسيق الجهود والمصالح، فقد كان يخجل منها في الواقع، ولا الفكر تجاوز الأحلام غير المنطقية ليتطور إلى برامج ورؤى تخدم المصالح والمشروعات الاقتصادية والتنموية، وهذا شأن التطرف دائما فإنه يتحول إلى عقبة أمام أهدافه المفترضة ثم يتحول إلى غطاء للاستبداد والفساد وغيات المحاسبة والوضوح.

وبرأي الدكتور سعدون حمادي، آخر رئيس للمجلس الوطني العراقي في النظام السياسي العراقي السابق، والذي صدر له مؤخرا عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب "مشروع الوحدة العربية" فإن التغيير المطلوب يجب أن يتناول الفرد في تفكيره وسلوكه، فالوحدة تعني الانتقال من وضع مختلف في أمور أساسية في الحياة العامة، فالتفكير السائد الآن عموما هو وريث المجتمع القديم وثقافات مرحلة التخلف، بكل ما فيه من أثر للخرافة وخضوع للعادات وتأثير للعصبيات في الحي والمدينة والعشيرة والطائفة والقطر والعرق وما سواها من المشاعر تحت الوطنية.

إن الروح العلمية القائمة على التجربة والبيانات والموضوعية ضعيفة، وذلك هو الفرق الجوهري بين صفات الفرد في المجتمع المتقدم وبين صفاته في المجتمع المتخلف، فالنضال الحقيقي هو الذي بمقدوره تحريك المجتمع ونقله من مرتبة إلى أخرى.

وعملية النهوض العربي تحتاج أولا إلى تحليل الواقع العربي، أي فهم المجتمع كما هو بوضعه الحالي، لنتبين درجة التعقيد وتداخل العوامل المؤثرة ودرجة فعالية كل منها.

فالمجتمع تركيب معقد تسوده التعددية، ففيه المثل العليا وميول الخير، وفيه ميول الغرائز ومشاعر المصالح الذاتية، ولا يمكن فهمه إلا بالاقتراب منه والتفاعل معه والملاحظة المستمرة لما يتفاعل فيه، فلا يحكمه عامل واحد، بل تؤثر فيه عوامل متعددة، والدعوة إلى الوحدة يجب ألا تقتصر على الجانب السياسي المتعلق بكيان الدولة بل على جميع المستويات وفي جميع نواحي الحياة، الدعوة للاجتماع ولم الشمل ونبذ الفرقة ومحاربة الانقسام، وبذلك تأخذ الدعوة طابع الإصلاح والتقدم، وتكون الوحدة السياسية ضمن الإطار العام الشامل.

والوضع الاجتماعي والثقافي للمواطن العربي لا يزال في مجمله عاملا مساعدا على بقاء التجزئة وقابلا للتوظيف في هذا الاتجاه، والنخب السياسية تميل نحو المحافظة على الواقع الحالي، وبذلك تكتسب المعوقات بعدا اجتماعيا إلى جانب البعد السياسي، الأمر الذي يضع على حركة التوحيد مهمة التوعية القومية.

إن معوقات الوحدة ليست خارجية- استعمارية فقط، كما يتردد في الكتابات القومية، بل هي داخلية بالدرجة الأولى، فقد أصبح الواقع العربي بما فيه من تجزئة واستبداد وتخلف يمثل في الحقيقة مصدرا لمصالح وموارد معظم النخب السياسية والاجتماعية والاقتصادية المهيمنة، ومن ثم فإنه ليس متوقعا أن تجري عملية جادة للإصلاح والتعاون العربي من دون انفصال مصالح النخب عن هذا الواقع.

[email protected]

التعليق