أيمن الصفدي

الناس على حق

تم نشره في الخميس 14 أيلول / سبتمبر 2006. 02:00 صباحاً

يقول الرسميون إن الاقتصاد يحقق نجاحات لافتة تعكسها نسب النمو وحجم الاستثمارات الخارجية التي استقطبها البلد. ويقول الناس إنهم لا يشعرون بهذه النجاحات وإن مستوى معيشتهم وقدراتهم الشرائية في تراجع.

الناس على حق. فنسب النمو الاقتصادي التي تراوحت بين 5% و7% على مدى السنوات الماضية ليست كافية لتنعكس على مستوى المعيشة. ذلك أن نسبة النمو السكاني وحجم التضخم السنوي يتطلبان أن يحقق الاقتصاد نسبة نمو لا تقل عن 10% حتى لا تتآكل القدرة الشرائية للناس، وحتى ينعكس النمو الاقتصادي بشكل ملموس على دخول الاردنيين ومستوى معيشتهم.

لا يعني هذا ان اداء الاقتصاد الاردني لم يكن جيداً في ضوء تطورات اقليمية ودولية أثرت عليه وأضعفت اقتصادات دول المنطقة برمتها، عدا الدول الخليجية التي استطاعت ان تحقق فائضاً مالياً كبيراً جراء ارتفاع اسعار النفط.

لكن المشكلة تكمن في محاولات عبثية لتجميل الواقع وتضخيم مستوى الانجاز. فالحديث المستمر عن انجازات اقتصادية ضخمة لا يشعر بها المواطنون يدفع الناس الى اتخاذ مواقف سياسية سلبية من الادارة الحكومية للشأن العام. وفي مجتمع تتراجع فيه صدقية الحكومات لأسباب تتعلق بالتاريخ والأداء وغيرها، لا يسهم الكلام المعسول والمبالغة في الانجاز الا في تعميم ثقافة التشكيك بالمؤسسات الرسمية وتجذّر الاقتناع باحتكار فئات محدودة عوائد الانجاز الاقتصادي.

ليس مطلوبا من الاردن ان يحقق معجزات. ورفضويون اولئك الذين لا يرون الا النصف الفارغ من الكوب. لكن المطلوب هو اعتماد الحقيقة والواقعية في القول السياسي الرسمي. فرفع سقف التوقعات مهرب يشتري الوقت لمسؤولين معنيين بصورتهم الخاصة ومهتمين بالعوائد الآنية حصرا. لكنه، على المدى البعيد، يضر صدقية الدولة ويخلخل بنيانها الاجتماعي. وكذلك تعكس المواقف الرسمية، التي ترفض النقد وتعادي كل من اختلف معها او اشار الى خلل او فشل في سياسة معينة او قرار محدد، رفضوية رسمية لا تقل أذىً عن الرفضوية المتمكنة من فئات شعبية او سياسية.

الخطاب السياسي الذي يصنف الناس بناءً على آرائهم حول قضايا معينة أو اجراءات محددة مرفوض من الرسميين بذات القدر الذي هو غير مقبول من غير الرسميين. فمحاصرة الرأي المخالف، استقواءً بموقع، او اعتماداً على صوت عال يستغل الاحباط الشعبي، بدائية سياسية تعكس طبائع اقصائية ديكتاتورية ذات ابعاد دمارية على المجتمع وثقافته.

ذلك ان محاولة تأطير الناس، كل الناس، ضمن قوالب جامدة او نمطية تفكير واحدة تشكل خطراً على المجتمع. فالتعددية شرط الانجاز وأهم سمات المجتمعات الحية. من يحاول قتل التعددية يحاول قتل روح البلد.

يبقى القول إنه يحق لكل من يؤمن بالاردن، نظاماً ودستوراً ووطناً، أن يختلف في كل شيء دون هذه الثوابت.

التعليق