د.باسم الطويسي

جمهورية الإحباط العالمية

تم نشره في الخميس 14 أيلول / سبتمبر 2006. 02:00 صباحاً

في عام 2004، وفي احد خطاباته الشهيرة ردد الرئيس الأميركي كلمة الحرية أكثر من (40) مرة، وأصبحت آنذاك موضة للتندر بالتزامن مع موجة اغتيال الحرية التي اجتاحت العالم، وفي هذه الأيام أصبحت عبارة (الفاشية الإسلامية) موضة اخرى للتندر أكثر من غيرها، بعد ان صارت الاطروحة المركزية في الخطاب الرئاسي.

في الذكرى الخامسة للهجمات المشؤومة أشاعت وسائل الإعلام الاميركية نكتة جديدة في هذا السياق؛ مفادها ان إحدى شبكات التلفزيون الاميركية اعادت بث شريط وقائع يوم الهجمات بكامله بمناسبة الذكرى الخامسة للإحداث، وأثناء بث الشبكة لهذه الوقائع فوجئ مساعدو الرئيس به يخرج صارخاً "يا للهول لقد فعلوها مرة اخرى" في إشارة لمدى الضحالة التي وصلت اليها الرئاسة الاميركية.

وبعد أكثر من خمسة وثمانين عاماً على نهاية الحرب العالمية الأولى، حيث ميلاد الحركة الدادائية احدى حركات التمرد والرفض والإحباط والعبث في الفن والأدب التي أوجدتها تلك الحرب، تعود حالة الإحباط بقسوة مرة اخرى مع دادائية جديدة في السياسة ثم في الآداب والفنون، تحمل ما خلفته حروب أفغانستان والعراق والسجون السرية والمعتقلات الموحشة من إحباط وغثيان وآلام لا احد يدري إلى أين ستنتهي، حيث استقبلت قبل فترة (القاعة الوطنية للفنون) في واشنطن اكبر معرض عن (فن الإحباط) أو الدادائية الذي انتشر مع الحرب العالمية الأولى (1914-1919)، وربط الجمهور ووسائل الإعلام بين هذا المعرض وما آلت اليه الحروب في العراق وأفغانستان من وقائع، ربما يجد الباحثون في الحروب الجديدة صدقا فنيا للدادائية أكثر من الحرب العالمية الأولى، في واحدة من غرف المعرض، سميت مجازاً بغرفة حرب العراق وهي في الحقيقة تعكس حالة الإحباط في الحرب الأولى تعرض صور(جندي مقتول، كمام غاز لطفل، يد مقطوعة من البلاستيك عليها بقايا دم، جندي من دون رأس وآخر اختفى نصف وجه).

كانت حركة الرفض والاحتجاج في الأصل برنامجاً سياسياً تجاوز الفن والأدب وأخذت مكانتها في برلين، وانتقدت بقسوة مرة شروط استسلام ألمانيا. ويشير العديد من المفكرين إلى انها مهدت المناخ الفكري والثقافي لظهور النازية في ألمانيا والفاشية في ايطاليا؛ وكأن هذا الحدث الرمزي يوضح إحدى الصفحات الغامضة التي تقف خلف حالة الإحباط التي أشهرت قاموس مصطلحات (الفاشية الإسلامية) وغيره.

في السياق ذاته صدرت رواية أميركية لكاتب يدعى (روبرت فرينو) تدور أحداثها في مدينة سياتل عاصمة الجمهورية الإسلامية عام 2040 التي تم تأسيسها منذ ربع قرن، بعد هجمات نووية دمرت مدينتي نيويورك وواشنطن، واتهمت بتنفيذها إسرائيل والصهيونية، وأدى هذا الوضع إلى تدمير الاقتصاد الأميركي والنظام السياسي وانتشار الفوضى، مقابل انتشار الإسلام في الولايات الشمالية وتأسيس الجمهورية الاسلامية الاميركية العتيدة التي بقيت على علاقات صدامية مع الجمهورية الاميركية المسيحية في الولايات الجنوبية، إلا ان مسار الأحداث في الرواية يختلف حينما تتوصل مؤرخة مسلمة إلى أدلة تنفي تهمة قيام إسرائيل بالهجمات النووية، وتكشف عن تورط ثري مسلم متطرف في التخطيط للهجمات، وبينما تختفي الفتاة في ظروف غامضة توكل مهمة العثور عليها إلى شاب أميركي مسلم تحول مهمته الحقيقية للقضاء على المتطرفين، وإعادة بناء أميركا جديدة من دون متطرفين. والرواية تحمل الكثير من الرموز التي يمكن ان تحل مضامين أكثر خيالية من خيال الكاتب.

يبقى ان السياسة ليست وحدها التي تحكم العالم، رغم انها مصدر كل هذا الإحباط الذي يهيمن على معظم تفاصيل المشهد الإنساني، وربما ما نشهده اليوم لحظة نادرة تسترخي فيها الآداب والفنون والإبداع وكل مصادر التمرد في التاريخ بلذة ساذجة لسذاجة السياسة بانتظار شيء ما.

[email protected]

التعليق