د.باسم الطويسي

الأردن بعد 11 أيلول

تم نشره في الأحد 10 أيلول / سبتمبر 2006. 02:00 صباحاً

الكل يتفق على حجم التغيير الذي نال العالم بعد خمس سنوات على أحداث تفجيرات الحادي عشر من أيلول، بدءاً من النظام العالمي وصولاً إلى أصغر الوحدات الجديدة في تحليل العلاقات الدولية، مروراً بأنماط الاستراتيجيات والسياسات والحروب والاحتلالات التي عبرت لأول مرة منذ خمسة عقود خلت ان العالم يتغير بالفعل هذه المرة، ولا يكتفي بمجرد التبدل في أدوات إدارة الصراع.

وكما كان الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بشكل عام الساحة التي شهدت معظم نتائج هذه التغيرات، فان العديد من دول المنطقة قد نالها نصيبها من التحولات والضغوط، وتم التعبير عنها اما بالاندماج في السياسات الدولية الجديدة أو بالتكيف السلبي أو الايجابي أو في الانكفاء على الذات، وأحيانا الركون لاستراتيجية الانتظار والاكتفاء بإدارة التداعيات.

مرة أخرى جعلت الجغرافيا السياسية الأردن في دائرة الأحداث، بعد ان أصبح محاطاً بدوائر النار والرماد من حوله، وتجاوز القلقُ وسؤالُ المصير، في لحظات فارقة خلال هذه السنوات، دوائرَ صنع القرار ووصل إلى الشارع الأردني، الذي أسهم في فرز خطابات متفاوتة حول أفضل الخيارات في التعامل مع شتاء قاس لم يتوقف؛ من الحروب الساخنة وفوضى السياسة التي لامست نارها أطراف الأقدام في أكثر من مرة، بعد ان انكشف الظهر العراقي، وانحصرت القدرة على التأثير في إدارة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وازداد امتداد فاعلين سياسيين إقليميين إلى الضواحي المحيطة، مع ازدياد الحليف الأميركي التقليدي تجاهلاً لمصالح حلفائه واستخفافاً بحقوق الآخرين وتشددا في مطالبه.

نرصد ثلاثة اتجاهات تتردد في الداخل وفي الخارج تفسر موقع الأردن من التغيرات التي عصفت بالمنطقة اثر سياسات وتحولات ما بعد الحادي عشر من أيلول، نرصدها بمناسبة الذكرى الخامسة لإحداث مازالت كل الروايات حولها وحول ما تبعها ناقصة.

الاتجاه الأول؛ يرى ان الأردن اقتنع بأن أقصر الطرق لحماية الذات والدفاع عما حققه يتم بإعادة تعريف المصالح الوطنية، وسط إقليم تُحتل فيه دولٌ مركزية، وتعم الفوضى في دول اخرى، وتفتقد كيانات سيادتها عبر أشكال متعددة من الاحتلال المقنع، وذلك بالاندماج الايجابي مع سياسات النظام العالمي بنسخته الاميركية المعدلة بعد أحداث أيلول. لذلك كانت دوائر صناعة القرار الأردنية أكثر ايجابية في التعاطي مع السياسات الجديدة في المنطقة، وحاولت ان تظهر في أحيان كثيرة بمظهر الشريك أكثر من مظهر الفاعل السلبي، ويبرز هذا بشكل واضح في التعاطي الأردني مع ملف إصلاح الشرق الأوسط، وفي الاشتباك في الحرب على الإرهاب، ومع إعادة تأهيل الدور الإقليمي.

واستطاع الأردن ان يجمع بين نظام سياسي اكتسب ملمح المؤسسية التحديثية وبلد محافظ ورأي عام معاد للولايات المتحدة واستقرار حذر في بيت مفتوح على جيران بيوتهم مملوءة بالاضطرابات والحرائق. ويرى أصحاب هذا الاتجاه ان الأردن كان من أكثر الأطراف الإقليمية استفادةً من الظروف الجديدة، على الرغم من حجم التحديات والخسائر في حسابات الحلفاء والأدوار.

الاتجاه الثاني، يرى ان الأردن اندمج بشكل سلبي في السياسات الدولية الجديدة، واستمر في دوره الوظيفي التقليدي في التماهي مع السياسة الاميركية، ودخل في مواجهة مع الإرهاب ليست له، بل جلبت تلك السياسات الإرهاب اليه، والاندماج السلبي، حسب هذا المنظور، أضفى على التفاعلات السياسية الأردنية في المحيط الإقليمي المزيد من الريبة والتشكيك.

أما الاتجاه الثالث يذهب إلى ان الأردن تفاجأ بحجم التداعيات وسرعة التفاعلات التي جلبتها سياسات ما بعد تفجيرات أيلول، وبقي لفترة طويلة من دون رؤية محددة، وتعامل مع الأحداث بإرباك وقلق، صاحب ذلك تراجع في المكانة والدور في بيئة جديدة. ولم يبدأ  الأردن في التعافي التدريجي من هذه الحالة إلا منذ وقت قريب، وتدلل هذه الرؤية على صحة ما ذهبت اليه في الإرباك الرسمي في التعامل مع العديد من الملفات وأهمها أزمات الطاقة والنفط وتداعيات احتلال العراق والقدرة على التعامل مع ما أتاحته البيئة العراقية المضطربة من فرص وتحديات، وأخيرا أزمة التعامل مع حكومة حماس وغيرها.

بعد خمس سنوات من الصراع الشرس على الشرق الأوسط في الحرب الغامضة على الإرهاب، فإنّ ما حصل عليه الأردن من منظور المصالح الوطنية مقابل ما قدمه يبقى متواضعا، وبعيداً عن الرؤى التفسيرية السابقة فإن الأردن أثبت قدرة عالية على التكيف الايجابي في مواجهة التحديات، لكنه لم يستطع تطوير مطالب استراتيجية ربما كان وقتها في بيئة دولية متحولة.

basimtwissi@hotmail.com  

التعليق