د.باسم الطويسي

إسهام الدولة في بناء الهوية الوطنية

تم نشره في الجمعة 8 أيلول / سبتمبر 2006. 02:00 صباحاً

استدعى تنظيم احد مراكز الدراسات الاستشراقية التابع لوزارة الخارجية الفرنسية ومركزه في دمشق، ومن خلال فرعه في عمان لندوة علمية حول الهوية الأردنية، حساسية بعض قادة الرأي الأردنيين ومؤسسات مدنية؛ عبر بعضها عن ذلك التذمر في إصدار بيانات مكتوبة اعتبرت عقد هذه الندوة تدخلا في شأن داخلي أردني،على اعتبار ان موضوع الندوة التي شارك فيها باحثون أردنيون وفرنسيون يتجاوز الأبعاد العلمية، ويحمل مضامين سياسية لا تبيحها التقاليد والأعراف الدبلوماسية.

طبعاً، يبدو هذا الخطاب للبعض قد عفا عليه الزمن، في ضوء ما لحق بالبيئات السياسية والأكاديمية من تغير على الأقل خلال العقد الأخير؛ حيث المبادرات الدولية والمشاريع التي تدخلت في القريب والبعيد، وفي أدق التفاصيل وأكثرها حساسية ووجعاً لرؤوس دول المنطقة وأجهزتها العصبية، إلى جانب ما تمثله الموجة الاستشراقية الجديدة التي تبلورت في أعقاب أحداث تفجيرات أيلول قبل خمس سنوات من تجاوز واهتمامات محددة وآليات عمل جديدة تعدت طرائق الانثروبولوجيين والمؤرخين وعلماء الاجتماع والسياسة التقليدية، وجاءت على شكل شركات ومكاتب استشارات وتمويل لمؤسسات بحثية محلية ومنحاً لأفراد.

لا يجب ان نخشى هذه الأنشطة العلمية ذات المضامين السياسية والاجتماعية، والمشكلة المركزية ليست هنا، بل أزعم ان العديد من هذه الدراسات والمشاريع العلمية ذات السمة الاستشراقية قد أفادت الأردن أكثر مما أضرته، وبعضها الآخر شوه الوقائع وزيفها، لدينا قائمة معروفة من الدراسات والبحوث الغربية البعيدة عن الواقع وتنقص بعضها ابسط أصول البحث العلمي.

للأسف فان البحوث التي قدمت وصفاً مشوهاً للواقع، والتي تناولت نشأة الدولة وطبيعة الدور الوظيفي للجغرافيا السياسية والهوية وإدماج الفلسطينيين وغيرها من موضوعات خلافية، قد استثمرت من قبل باحثين وكتاب عرب ووظفت ضمن الحملات التي كانت تشن ضد الأردن منذ عقود. وللأسف، أيضا، ان الخشية الحقيقية هي من البحوث والمشاريع العلمية التي لا تنفذ من قبل باحثين غربيين مباشرة، بل تلك التي تنفذ من قبل مراكز بحثية محلية وبتمويل أجنبي، ويقوم بها باحثون محليون تحدد لهم ملامح النتائج مفصلة قبل الشروع بالبحث.

يعد الأردن من أكثر دول المشرق العربي في مجال الاهتمام بالدراسات الاجتماعية والسياسية والانثروبولوجية الغربية ووفرتها، فقد كان بيئة جاذبة للباحثين الغربيين منذ أكثر من خمسة عقود، ما أسهم في توفير معرفة مفصلة حول الأردن أكثر من غيره من دول المنطقة، ووفر ذلك فهماً أفضل للدولة الأردنية، وهذا الجانب الذي لا يذكر عادة، لا يستثني بالطبع استمرار أجيال جديدة من البحوث الموجهة وذات الأجندات المرتبطة بأهداف مشبوهة وبالمشروع الصهيوني، والتي سيطرت عليها في السابق المدارس الآثارية أكثر من غيرها.

على هذا الأساس، فالمشكلة ليست في ندوة الخارجية الفرنسية، وبالمناسبة فقد أصدر المركز نفسه مطلع هذا العام مؤلفا جماعيا ضخما بالإنجليزية والفرنسية تناول التصور حول الذات ومسائل الهوية والمواطنة والمخيمات والبدو وغيرها من الموضوعات، ولم يلتفت إليه احد. بل ان المشكلة الحقيقية في الاستحقاق التاريخي الذي نضج في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى، والذي يشير بجدية إلى ضعف إسهام الدولة في التعبير عن الهوية الوطنية وترسيخها كما هي، باعتبارها محصلة وقائع تاريخية وجغرافية يعكسها معاش الناس في رموز الجماعة الوطنية، وفيما أنتجته من المعايير والقيم والأفكار النمطية والعلاقات التفاعلية بين الجماعات المتنوعة التي أصبحت محلية.

هناك مجموعة من الظروف اشتبكت في سلسلة محكمة التعقيد والتناقض أعاقت النمو الطبيعي لوظيفة البناء المعنوي للدولة حيال الهوية والمواطنة، وتحديداً في الاستفادة من موئل التاريخ والجغرافيا الحضارية جنباً إلى جنب ما يسمى في دراسات نظرية الهوية في البحوث الغربية (الإبداع الاجتماعي)، الذي يحول من خلال علاقات التبادل والتفاعل ظاهرة تصنيف الذات إلى ظاهرة ايجابية تغني الهوية المركزية للدولة.

اهم الظروف، التي أضعفت دور الدولة الأردنية في التعبير عن ذاتها، تتمثل في إهمال بناء فضاء وطني محلي تستند إليه الدولة ذاتها وضعف إرادتها في هذا المجال وانشغالها في البحث عن فضاء قومي معادل للتحديات التي كانت تفرضها التعبيرات الأيديولوجية العربية - على سبيل المثال- خطوط التماس مع الناصرية أو حركة التحرر الفلسطينية (فتح) في عقود سابقة، بدل الاهتمام بالفضاء الوطني. وفي المراحل اللاحقة استمر هذا الوضع بفعل الاملاءات الخارجية، والبحث عن توازنات في مواجهة المشروع الصهيوني حتى في زمن السلام، مع استمرار تراكم ضعف النخب الحكومية، وارتباك تكوينها المعرفي والوطني.

كل هذه الظروف جعلت من مسألة الهوية قبل مسألة المواطنة والانتماء، مسألة ذات حساسية تلقي بظلالها على الفضاء الوطني وتعبيراته المختلفة. لذا نغضب ونستثار ان يناقش الآخرون مسائل الهوية في عمان أو في الأردن وكأننا نعيش في جزيرة معزولة عن العالم. لقد كانت جامعة (بريستول) في المملكة المتحدة في عقد السبعينيات مختبراً علمياً لبحوث الهويات الاجتماعية والسياسية من مختلف انحاء العالم والتي رعاها احد مؤسسي نظرية الهوية الاجتماعية (تاجفيل) وعشرات من تلاميذه، وهذه الجامعة وحدها أنجزت مئات الدراسات في هذا الموضوع، الذي لا تملك جامعاتنا الجرأة على إخضاعه للبحث العلمي.

الهوية الوطنية هي الهوية المركزية للدولة، وهي هوية منجزة غير قابلة للتفكيك أو إعادة الصياغة، وفي الوقت نفسه هي هوية مرنة قابلة لاستيعاب الهويات الفرعية والتفاعل والتبادل معها والتعايش الايجابي. والهوية المركزية، كما تفيدنا نظرية الهوية الاجتماعية، تقوم على وقائع الخبرات الاجتماعية المشتركة بفعل الجدل بين التاريخ والجغرافيا، والهوية المركزية المتماسكة وحدها القادرة على حسم مسائل المواطنة والولاء والانتماء، أما غير ذلك من مقولات تفكيك الهوية وإعادة صناعتها على طريقة شركات الدعاية والإعلانات وأدوات التسويق السياسي المتواضعة، فهي مدعاة لإضاعة الوقت وخلق المزيد من الاحتقان وتأجيل المؤجل.

[email protected]

التعليق