ياسر أبو هلالة

جريمة المدرج الروماني

تم نشره في الأربعاء 6 أيلول / سبتمبر 2006. 02:00 صباحاً

يوم بريطاني أسود، من أفغانستان إلى البصرة وصولا إلى عمان، بقدر ما هو يوم أردني أسود. فالسياح الآمنون غير الجنود المحاربين. والرسالة التي أوصلتها رصاصات عمان غير الرصاص في أفغانستان والعراق. فالجندي المحارب مستعد لملاقاة المهاجم المسلح، وهو جاء ليقتل ابتداء. أما السائح فقد جاء ليقوم بسنة الخلق بالتعارف، وكان أعزل يتوقع أن يجد من يرحب به.

قبل أيام كتبت عن الجندي البريطاني الذي انتحر وكان آخر ما قاله لوالدته وهو يحتضر "لا استطيع ان اطلق النار على الاطفال الصغار، لا استطيع ان اذهب الى العراق. لا يهم مع اي فريق يقف هؤلاء الاطفال". لنتصور أن والدة الجندي أو شقيقته أرادت أن تزور المنطقة لتتعرف على اولئك الذين انتحر ابنها أو شقيقها لأجلهم، ولاقت ما لاقت في المدرج الروماني.

قضايانا عادلة في فلسطين والعراق وأفغانستان ولبنان، وعيون السياح في المنطقة رصيد لنا لا علينا. هؤلاء لم يأتوا ليتجسسوا. الجواسيس لن يكتشفوا مفاعلاتنا النووية في أسبوعين يرون فيهما روائع حضارتنا. سيرون أننا بشر نستحق الحياة سيغيرون "الصورة النمطية" بأننا إرهابيون لا نقيم وزنا لأرواح البشر، وهي صورة للأسف كرستها جريمة المدرج الروماني!

هي جريمة كراهية، وفي بريطانيا يتعرض المسلمون لنحو مائة ممارسة كراهية في الأسبوع. وعلى الإنترنت وزع عنصريون بريطانيون تسجيلات فيديو تهدد بقتل المسلمين، وسبق أن قتل مسلمون في الغرب بدوافع جرائم الكراهية. ولم يتعامل الإعلام الغربي أميركيا أو أوروبيا مع تلك الجرائم بوصفها إرهابا منظما.

دوافع الكراهية معروفة وتكرارها ممل. فبريطانيا هي صاحبة وعد بلفور، وهي مستعمرة العالم الإسلامي ومقسمته، وجيوشها تحتل أرضا إسلامية في العراق وأفغانستان، وبلير جعلها تابعا لسياسات بوش العدوانية ضد المسلمين. ذلك كله لا يلغي أن الشعب البريطاني يوشك أن يطيح ببلير، وظل أكثر شعوب العالم تحركا ضد سياسات بلير وبوش. وصحافته من بي بي سي إلى الإندبندنت لا يمكن مقارنتها بالإعلام الأميركي.

بريطانيا التي فجرت أنفاق قطارتها لا يزال يقيم فيها أبو قتادة وأبو حمزة المصري ولم ترحلهما لبلديهما، ولو كانا في أميركا لما علم في أي سجن سري هما. ليس كرم أخلاق من بلير، بل لأن القضاة البريطانيين يرفضون حتى اليوم تسييس القضاء بدعوى محاربة الإرهاب. حتى اتفاقات تسليم المجرمين التي وقعتها الحكومة البريطانية كان الهدف الوحيد منها ضمان معاملة متوافقة مع معايير حقوق الإنسان للمتهمين.

بدون قانون منع الإرهاب وبدون محكمة أمن دولة عقوبة جريمة المدرج الروماني في القوانين الأردنية الإعدام، والفاعل يعرف عاقبة عمله. وقد قرر قتل غيره كما قتل نفسه. عمله لم يكن احترافيا منظما، ربما. خلافا لما حصل في الموجب في منتصف التسعينيات في محاولة لاختطاف حافلة سياح وتفجيرها، أو المحاولة التي عرفت باسم تفجيرات الألفية، التي اتهمت فيها القاعدة أو تفجيرات فنادق عمان. مع ذلك مردود عمله لم يقل عن الأعمال الاحترافية.

ثقافة الانفتاح والحوار هي التي تمنع جريمة المدرج الروماني. بإمكان القاتل أن يوصل معاناته الشخصية ومعاناة أمته باعتصام دائم أمام المدرج الروماني، بمعرض صور لضحايا أمة الإسلام. سيجد سياحا بريطانيين يتصورون معه، سيجد من يؤسس مواقع إنترنت مناصرة لقضاياه. ألا يعلم أن عمدة لندن يسعى لتأسيس تحالف عالمي ضد الظلم! بإمكان القاتل أن يتظاهر أمام السفارة البريطانية؟

المشكلة في جريمة المدرج الروماني أنها من نوع الجرائم اليي لا يمكن وقفها. لا تستطيع أن تقيم نقاط تفتيش في أماكن مفتوحة. الأماكن السياحية ليست طائرة تفتش الداخل إليها. وقف هذا النوع من الجرائم يحتاج ثقافة مجتمعية رافضة له. والشرط الشارط لبناء ثقافة كهذه مجتمع منفتح.

منع التظاهر السلمي أمام سفارة سيجعل الموتورين يفكرون بأعمال غير سلمية. فأبرز استهداف مروع للسياح كان في مجزرة الأقصر في مصر. حدثت في وقت استكملت الدولة المصرية انتصارها على الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي، في ظل قوانين الطوارئ والاستباحة الأمنية للدولة والمجتمع، المجزرة نفذها طلاب في كلية الهندسة وبدون أوامر من قادتهم. ولم يخرج منهم واحد حي. الطلبة أرادوا تصفية حسابهم مع الدولة، قبل تصفية حسابهم مع الغرب، وكلفوا مصر مليارات خسائر تدمير الموسم السياحي، ناهيك عن أرواحهم التي ينظر لها على أنها بلا ثمن. ما حصل في الأقصر تكرر لاحقا في طابا ودهب وشرم الشيخ.

على مدخل وادي موسى في محافظة معان وأنت ذاهب إلى البتراء، حيث المجتمع متمسك بثقافته الإسلامية ومنفتح على الآخر، كتبت لوحة كبيرة مترجمة إلى الإنجليزية "روحي فداؤك يارسول الله"  تلك اللوحة من بقايا حملات التصدي للرسوم المسيئة. وهي لا شك أوصلت رسالة غير رصاصات المدرج الروماني. فأبناء من نحتوا أسطورة البتراء هم أتباع محمد عليه السلام. وهم الذين تدفقت من أرضهم ينابيع موسى وعلى جبال البتراء أقام المماليك مقام أخيه هارون عليهما السلام.

نحتاج إلى ثقافة وادي موسى في عمان مجتمعا ودولة!

[email protected]

التعليق