الجريمة التي استهدفتنا جميعا

تم نشره في الأربعاء 6 أيلول / سبتمبر 2006. 02:00 صباحاً

  الاعتداء باطلاق النار على سياح اجانب وسط عمان ظهر الاثنين الفائت جريمة بشعة بكل المقاييس، ولا يمكن ربط هذا العمل البربري بأي سبب أو ادعاء. هذا الحادث ليس فقط اعتداء على ضيوف ابرياء جاؤوا لهذا البلد امنين، للاطلاع على كنوزه الاثرية ومعالمه التاريخية، فهو ايضا اعتداء على كل مواطن، واعتداء على الصورة النضرة التي نقلها آلاف الضيوف من قبل الى أهلهم وذويهم واصدقائهم عنا وعنا شيمنا وتقاليدنا واخلاقنا.

هو اعتداء على امن هذا البلد الذي، على الرغم من فداحة الاستهداف ومن جروح بالغة اصبنا بها من قبل، ظل موقعا امنا وسط محيط من العنف والفوضى والدم. كما انه اعتداء على الازدهار الذي حافظنا عليه في ظروف قاسية، ولا نشك في ان من دبر ونفذ قصد استهداف شريان اقتصادي هام متمثل في السياحة.

  لا نريد ان نهول من فظاعة هذه الجريمة لأن بلدا واحدا في العالم لم يسلم من مثلها، وان استطاع من يبيتون لهذا البلد ولأهله ولضيوفه السوء، ويدبرون لهم مثل هذه الجرائم، ان ينفذوا جريمة او اثنتين او ثلاث، فلأنهم اختاروا مثل هذه الاهداف البريئة السلهة، شأن كل الاعمال الجبانة، فما علينا الا ان نتذكر ان حرص اجهزة الامن وسهرها وكفاءتها النادرة قد احبطت اضعاف ما نجح المدبرون في تنفيذه، ويجب الا نفقد صبرنا وايماننا، ونحن ندفع ضريبة الصمود والولاء والوفاء لمبادئنا، وان نعزز ثقتنا باجهزتنا، وان نلتف حولها، لنرص صفوف الحماية ولنراقب كل موقع شك ولنطوق كل بؤرة شر، ولنصفي في النهاية مجتمعنا من كل شوائب الاجرام، ومن ارباب القتل والدم والعدوان الاثم على الابرياء مواطنين كانوا ام ضيوفا.

  ولا نقلل في الوقت نفسه من خطورة هذا العمل المدبر الجبان كونه تنبيه جديد لما يتربص بنا وبأمن بلدنا وامن مواطنينا. صحيح اننا في هذا البلد ننعم في واحة من الامن ظلت عصية على مكائد الارهاب والشر وتدابير القتلة والمجرمين، لكن طغيان العنف في مواقع كثيرة من حولنا، والاسى الذي يحس به كل مواطن في هذا البلد، بصدق وبعمق وبألم بالغ، تجاه ما يجري يوميا في غزة وفي العراق وفي لبنان، وتجاه الدماء البريئة المتدفقة والمعاناة والظلم والتشريد والتشتيت والذل والمهانة، فطغيان العنف هذا لم يؤد الا الى شحذ هذه المشاعر، والى اذكاء روح الغضب والرفض والاستنكار والمطالبة على كل مستوى بوضع حد لانهار الدم ولحرمان المواطنين في شتى ارجاء الوطن العربي الكبير من ابسط حقوقهم في الامن والوجود والحياة.

  لم يكن امننا سببا للانكفاء واللامبالاة، بل كان العكس تماما، كان تجذيرا لحس المسؤولية تجاه اهلنا وتكريسا لروح المشاركة والنجدة وتقاسم كل ما قدرنا الله على تقاسمه، ولعل هذا هو الذي اغاظ المتربصين بنا، ودفع بهم لاستهدافنا،

نعم هنالك غضب مما يجري في العراق وفي غزة وكل ارجاء فلسطين وفي لبنان، وفي ارجاء اخرى من الوطن العربي، وهنالك استنكار شديد لسياسات الدول التي صمتت على مدى السنين والعقود على الظلم وانتهاك الحقوق واستباحة الاوطان واستباحة ارواح الابرياء.

واننا نحذر من ردود الفعل الحمقاء لانها تتسبب في افقادنا حقنا، وتضعف قوة قضيتنا، وتحولنا من ضحايا للظلم الى معتدين على من اعتدوا علينا، وتسيء لصورتنا وسمعتنا وحضارتنا ولديننا وتعاليمه السمحة ورسالته السلمية النبيلة.

  قد يكون لحادث واحد، كالذي وقع في عمان قبل يومين، من  ضرر متفاقم ما تعجز اعظم الجهود عن اصلاحه، وكم من متربص سيستغل هذه الجريمة لتكبيرها وتضخيمها ونشرها على اوسع نطاق ليدلل على استعداد البعض منا، ولكنه سيلصق الجريمة بنا جميعا للاعتداء على الابرياء بدم بارد وليقول اننا لا نملك قضية، بل نمارس الاجرام المطلق، فأي قضية هي التي يدافع عنها بهذه الطريقة؟!

حان الوقت لأن يستنكر هذا الاجرام على اعلى المستويات وفي كل المنابر، آن الاوان للعرب والمسلمين ان يبرأوا من كل ما يرتكب باسم دينهم وثقافتهم وحضارتهم وتقاليدهم وواقعهم.

آن الاوان ان نحرر قضايانا المحقة العادلة من استغلال المجرمين البشع لصفائها ونبلها وعدالتها.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق