ياسر أبو هلالة

"الرجل الثاني"!

تم نشره في الثلاثاء 5 أيلول / سبتمبر 2006. 02:00 صباحاً

لا يوجد مسؤول أمن في الكون والتاريخ البشري يظهر على وسائل الإعلام بالكم الذي يظهر فيه موفق الربيعي مستشار الأمن القومي العراقي. وفي ظهوره محاكاة تكاد تكون حرفية للمؤتمرات الصحافية التي ظل يعقدها الأميركيون في قصر المؤتمرات. خصوصا من حيث الشكل. فالربيعي يهتم كثيرا بالصورة منذ كان معارضا وقبل  دخول مجلس الحكم الانتقالي. وغالبا ما يكون اهتمامه بها على حساب المضمون.

بالعادة يخرج الربيعي بخبر عاجل، ليس مهما أن يكون دقيقا أو صحيحا، وهو يقوم بدور إعلامي بالأساس قليل الصلة بالأمن بمعناه الحقيقي. فالملف الأمني يتولاه طرفان في العراق متناقضان، الطرف الأميركي والطرف الإيراني. ولا يبدو أن أيا منهما يأخذ الربيعي على محمل الجد. لكنه بما يتيسر لديه من معلومات يجيد التواصل مع الإعلام. ويعتبر صانع عناوين لنشرات الأخبار.

بالأمس خرج الربيعي بخبر إلقاء القبض على الرجل الثاني في تنظيم "القاعدة" في العراق ويدعى أبو همام، أو أبو رنا. الخبر لم يأخذه الأميركيون بجدية، مع أنهم بأمس الحاجة لأخبار كهذه. والقاعدة من خلال مواقع الإنترنت التي تبث بياناتها جعلته موضوعا للسخرية. فالرجل الثاني المعلن هو أبو عبدالرحمن العراقي وهو الذي نعى الزرقاوي، ولم يسبق لا للقاعدة ولا للأميركيين الممسكين بالملف الأمني أن أعلنوا عن شخصية باسم أبو همام.

توقيت الخبر مهم جدا - بمعزل عن صحته- فهو صدر في اليوم الذي أعلن فيه الأميركيون بأنهم لن يسلموا الجيش العراقي مسؤولية العمليات في العراق، وفي اليوم الذي أعلن فيه الزعيم الكردستاني مسعود البرزاني أن علم العراق لن يرفع على أرض كردستان. وفي اليوم ذاته تحدث للمرة الأولى المرجع الشيعي علي السيستاني عن "عجز" الدولة العراقية في حفظ الأمن.

ركائز ثلاث للدولة العراقية الجديدة في يوم واحد تكشف عزلة الحكومة. هنا يأتي دور "مستشار الأمن القومي" لإثبات العكس. فالربيعي يريد أن يثبت للأميركيين والأكراد والمرجعية، أن ثمة أمنا يحقق انجازات تنوء بها دول كبرى. ليس بالضرورة أن يحفظ حياة ألفي عراقي يقتلون في الشهر، وإنما بمواجهة الإرهاب الدولي (ملاحظة: ذكرى الحادي عشر من سبتمبر على الأبواب). الأمن العراقي قبض على "الرجل الثاني"، وهي تسمية جديدة تنوب عما اعتاده الربيعي سابقا "مساعد أبو مصعب الزرقاوي"،  وهو ليس واحدا وإنما مساعدون ينوف تعدادهم على مساعدي بوش.

الرجل الثاني ربط مباشرة بتفجير المرقد في سامراء. وهو ربط مريب. فذلك التفجير هو التفجير الوحيد الذي نفى تنظيم القاعدة علاقته به، وكان شرارة انطلاق حرب إبادة على السنة في العراق المعروفة بحرب "جثث مجهولة الهوية". القاعدة تبنت تفجير تماثيل بوذا وتبنت تفجير الحكيم وكل التفجيرات الدامية بالعراق وكثير منها صور في أشرطة دعائية. وتبنت تفجيرات عمان والرياض ولندن وكل العمليات التي لا تحظى بشعبية.

المريب أكثر أن الربيعي في كل مؤتمراته الصحافية لم يكشف عن جريمة واحدة ارتكبتها فرق الموت التي تتبع المليشيات الشيعية. ولم يعلن عن اعتقال المسؤول العاشر بعد المائة في تلك الفرق التي تحدث المسؤولون الأميركيون عنها بصراحة تامة. وصراحة المحتل لم يتحل بها بعد المسؤولون المحليون – عفوا القوميون– الذين عينهم. فالقتل الطائفي يشمل السنة والشيعة. لكن ما يظهره المسؤول الأمني أو الإعلامي دائما أن السنة دائما مجرمون والشيعة دائما ضحايا.

من مكاسب انتصار حزب الله في لبنان (لا يبدو ذلك من الاهتمامات القومية للربيعي ولا الطائفية) أنه أزال إلى درجة كبيرة الاحتقان الطائفي في المنطقة. ومن المهم أن يتكرس ذلك في العراق. فهيئة علماء المسلمين كانت أول من تضامن مع حزب الله قبل الخامنئي والسيستاني. وزوال الاحتقان في العراق سيقلل من نفوذ من يتغذون منه.

الرجل الثاني، مثل المساعدين من قبل، قنابل إعلامية لا تخفي الحقيقة البشعة في العراق: الاحتلال والاقتتال الطائفي. وتلك الحقيقة هي التي ولدت تنظيم القاعدة وليس العكس. واعتقال الرجل الثاني أو قتله لن يؤثر في قدرة التوالد والتكاثر.

بانتظار مؤتمر صحافي جديد لمستشار الأمن القومي.

التعليق