د.باسم الطويسي

الطريق إلى المستعمرات العربية

تم نشره في الأحد 3 أيلول / سبتمبر 2006. 02:00 صباحاً

رفض الرئيس السوداني عمر البشير وبلهجة صارمة قرار مجلس الأمن بإرسال قوات دولية إلى دارفور، الذي اشترط موافقة الحكومة السودانية. وترى الولايات المتحدة لا ضرورة لموافقة الحكومة السودانية لتطبيق القرار، حيث يبرر القرار الاممي بالمساهمة في وضع حد لاقتتال داخلي يكتنفه الغموض والروايات المتناقضة.

في هذا الوقت تتردد معلومات عن ترحيب الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعرض أميركي لنشر قوات دولية على الجانب الفلسطيني في معبر المنظار (كارني)، لمنع الاغلاقات الأمنية التي تؤثر على الحياة الاقتصادية في القطاع، وبين قوات دولية لا تذهب وقوات قادمة، وقوات دولية مرفوضة ومهددة وأخرى مرحبا بها، أصبح التدويل جزءاً من الحياة السياسية والأمنية العربية، ولا تكاد تستثنى قضية صغيرة أم كبيرة من حُمى استدعاء قوات أجنبية أو فرضها بالقوة.

ومع اكتمال عدة وعديد القوات الدولية المتدفقة على لبنان والقوات الأخرى في الجولان وسيناء والصحراء والسودان وغيرها يصبح العالم العربي من اكبر، ان لم يكن الأكبر، بين أقاليم العالم تواجداً للقوات الدولية، وإذا ما أضيف إلى ذلك القوات الأجنبية ذات الوجود الاحتلالي أو القواعد العسكرية فإن العالم العربي أصبح بالفعل ساحة لأكبر عدد من القوات الأجنبية التي أتت تحت ذرائع متعددة، ما يشبه أحوال المقاطعة العربية آخر أملاك الإمبراطورية الرومانية في القرن السادس الميلادي في الشرق التي كان يتنافس الأمراء فيها على استدعاء فيالق الجيش الروماني وخوض الحروب بالإنابة عن الآخرين.

قد تكون القوات الأجنبية - حيث يخف وقع المفهوم حينما تصبح قوات أممية أو دولية- في لحظة ما هي الشر الذي لا بد منه لحصول طلاق من شر اكبر جاثم على الصدور، ولكنها في المحصلة رمز للوصاية والعجز عن حماية الذات، وهو الواقع الذي تشير إليه أحوال تدويل العالم العربي، في ظل معادلات النظام العالمي الراهن في ضوء حدة التنافس وتقاسم الأدوار الذي تعكسه بوضوح أحوال تشكيلة القوات الدولية الذاهبة إلى لبنان والممتدة من ايطاليا وصولا إلى اندونيسيا.

تذهب الأوضاع الجديدة في مناطق السلطة الفلسطينية نحو سيناريوهات واضحة أهمها إعادة إنتاج التدويل للقضية الفلسطينية على قواعد سوف تفرضها إسرائيل على الأكثر، ستدور حول التخفيف من آثار الأوضاع الجديدة من دون البحث عن حلول تاريخية.

يعتمد سيناريو تدويل العالم العربي، بعد أزمات لبنان وحروبها المتتالية وما أفرغته من تدويل المربعات اللبنانية بالسياسة والقوة وصولاً إلى السودان، والحبل على الجرار، على تكتيك تفجير الصراعات الداخلية، واستدعاء كل مظاهر العجز الذاتي، قبل استدعاء القوات الأجنبية.

كانت اتجاهات التحليل تذهب في اليوم التالي لاحتلال العراق قبل ثلاث سنوات إلى أن الولايات المتحدة ستفرض على الشرق الأوسط بأكمله شكلا من أشكال العزلة الاستراتيجية، بعدما نشرت جيوشها وقواعدها العسكرية في أكثر من مكان، بمعنى أنها ستحاصر المنطقة سياسياً واستراتيجياً حرصاً على مصالحها ونفوذها وتمنع أي نفوذ دولي جديد فيها وتقف لأي محاولة لتقاسم المصالح معها. وعلى الرغم من كون هذا الاتجاه يجب أن يؤخذ بجدية أكثر بعدما شهدت الأعوام القليلة الماضية انحصار النفوذ الأميركي في أكثر من منطقة وآخرها أميركا اللاتينية الأمر الذي يؤكد أن الشرق الأوسط سيبقى الجائزة الكبرى للولايات المتحدة، التي لا تقبل القسمة فيها، الا أن تطورات الاحداث تشير بقوة إلى أن الولايات المتحدة باتت تدرك ضرورة إعادة تدويل المنطقة من جديد، ولقد ظهر ذلك بوضوح في المشروع الأميركي للإصلاح السياسي في العالم العربي الذي أعلنه وزير خارجيتها في نهاية عام 2003 ثم تحول إلى مبادرة دولية في قمة الثمانية الكبار، فيما اكتشفت النظم العربية الحد الذي وصلت إليه الأمور بأن تعلن المبادرات والخطط حولها من دون أن تستشار أو يؤخذ برأيها، بل وجدت نفسها مجبرة للانصياع لمنطق التدويل الجديد والذي برز بمبادرة خجولة صدرت عن قمة تونس.

بالطبع احتاجت عملية تدويل العالم العربي الجديدة إلى فرض شرعية دولية جديدة أو إعادة تأهيل مفهوم الشرعية الدولية، وهو ما حدث بالفعل وبدأ مجلس الأمن في التأسيس لشرعية دولية جديدة عن طريق "إصدار قرارات تستعرض الشروط الشكلية، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وتتناقض تناقضاً كاملاً مع احكامه الموضوعية"، حيث وجدت هذه الصيغة الدولية الجديدة من العالم العربي بيئة ملائمة لها وأخذت شكلاً واضحاً منذ أواخر عام 2004، في القرارات الخاصة بالوضع في لبنان وسورية، وأخيراً السودان؛ حيث تسخن الأجواء لمواجهة لم تكن متوقعة .

[email protected]

التعليق