د.باسم الطويسي

المراجعة الاستراتيجية

تم نشره في الخميس 31 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

يفترض نظرياً ان الأطراف الفاعلة في الشرق الأوسط، من داخله وخارجه، تعكف في هذا الوقت على إجراء مراجعات استراتيجية في ضوء الوقائع الجديدة التي تؤكد معادلات تقليدية حكمت طويلاً مسار السياسة والقوة في المنطقة أكثر من تغيرات تحدث تحولات أو ازاحات في مسار الأحداث. ليست الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان وما آلت إليه من نتائج مفتوحة ومبهمة هي الدافع لهذه المراجعة، بل الأزمة الممعنة منذ أكثر من ثلاثة أعوام والتي لم تكن الحرب الأخيرة إلا احد مظاهرها وحسب، وليست التعبير الكامل عنها.

في هذا الوقت تُستدعى المراجعة الاستراتيجية وتتوفر المسوغات لها أكثر من أي وقت مضى، وكل طرف يدرك ضرورتها وأهميتها أمام تقلص الخيارات وانحسار مساحة المناورة ومداها، ويسمع صوت هذه الحقيقة هادراً بعد ان سكنت رياح التغيير وموجاته الموعودة والمنتظرة التي كان الحديث عنها يصم الآذان خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وبات من الواضح ان استراتيجية تغيير العالم التي أراد المحافظون الجدد ان تنطلق من الشرق الأوسط لم تتعثر وحسب بل توقفت، ويشكك كثيرون في انها بدأت.

لم تشهد المنطقة منذ عام 1967 حالة من الفراغ السياسي كما نشهده هذه الأيام، فاحتمالات الحرب والسلام مطلقة، ويتوفر لكل منها الحجة والنصيب بالقدر نفسه، فالحرب الشاملة التي قد نراها ابعد ما تكون هي في الوقت نفسه قريبة جداً وفي الحقيقة لم تتوقف، وكذلك السلام! فقد بات اللاعبون الإقليميون فاقدين للبوصلة.

الفراغ السياسي الراهن يعني عدم قدرة الأطراف الإقليمية والدولية وعدم نضوج إرادتها في إجراء جراحات عاجلة وجذرية لمشاكل الإقليم وتحمل آلامها، بعد ان بات من الواضح أين يكمن جذور كل هذه التعقيدات، هذا الفراغ السياسي يجعل التفاعلات السياسية الحرجة محكومة بالغموض والأسرار والتفاهمات الخفية، وهذا النمط من التفاعلات، لا يقود إلى انفراج حقيقي، بل يعتم الأفق السياسي أكثر.

أهم ملامح الفراغ السياسي الذي يخيم على جميع الفاعلين وفي مقدمتهم تفاعلات الولايات المتحدة وإسرائيل، والأخيرة تواجه هذا الفراغ بمحاولة صنع الألعاب وحدها، ونجد هذه الملامح في سلوك المحاور العربية وانغلاقها المحكم، وفي سلوك إيران تجاه القضايا العربية وزهدها في فتح قنوات لحوار المكاسب والخسائر مع الأطراف العربية، كما يسيطر هذا الفراغ في سلوك كل من مؤسسة الرئاسة والحكومة الفلسطينية حيال بعضهما وحيال استحقاقات القضية الفلسطينية وظروفها التاريخية الحرجة، وفي سلوك حزب الله والقوى والكيانات اللبنانية الأخرى، واهم هذه الملامح سوء التقدير لمواقف الآخرين وقدراتهم وردود أفعالهم، ورغبة الكثير منهم في إظهار عزمه للسير نحو الهاوية كي لا يطويه النسيان، وبهذه الطريقة افتقد العديد من  اللاعبين المحليين الرؤية الحقيقية، وتراهم وكأنهم في النزع الأخير لديهم رغبة جامحة في التجاوز في الوقت الذي يبذل كل منهم قصارى جهده من اجل ان لا تضيع من أمامهم الخطوط الحمراء التي وضعها لهم الآخرون.

الآفاق السياسية المغلقة في ملفات الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي والاحتلال الأميركي للعراق والأوضاع الأمنية المتدهورة والحرب الأهلية غير المعترف بها والمواجهة الاميركية الإيرانية المحتملة والأوضاع المفتوحة في لبنان، تنتظر مراجعات استراتيجية ربما تكون قريبة ومفاجئة من قبل إدارة المحافظين الجدد الذين يواجهون انتخابات نصف رئاسية بعد عدة أسابيع، والفترة الثانية والأخيرة للرئيس جورج بوش وفريقه، وإنجازات تحققت لهم لا يمكن التنازل عنها بسهولة رغم ما يتردد حول الإخفاقات، والمفاجآت الاميركية قد تصل إلى تقليص كبير ومفاجئ للقوات الاميركية في العراق وإعادة انتشار خارج المدن وخوض معركة قاسية لفرض عقوبات اقتصادية وحصار على إيران.

بينما تنتظر الأطراف الرسمية العربية تداعيات أفعال الآخرين، ويتلقف بعضها مقالا يكتبه صحافي أميركي لتجعله الإطار لفهمها الاستراتيجي للوقائع المتغيرة، فان بعض المراجعات الراهنة ستقود إلى ان يتحول من كانوا جزءاً من المشكلة في السابق إلى جزء من الحل في بعض الملفات وقريباً جداً.

المراجعات الهادئة القادمة من الخارج تقود إلى العودة لاستخدام دليل ألعاب الحرب الباردة من جديد؛ فلقد كان من أعظم نجاحات حقبة الحرب الباردة الطريقة التي استخدمتها واشنطن في شق الاشتراكيين المعتدلين عن الشيوعيين المتشددين، ولكن في الحالة الشرق أوسطية يبدو ان الطرف الأخير هو الأكثر جرأة على عقد الصفقات التاريخية، وهذا ما ستبديه الأيام القادمة إذا ما عادت الحياة للسياسة من جديد في الشرق الأوسط.

منذ أحداث تفجيرات أيلول مروراً بحرب احتلال العراق جربت الإدارة الاميركية أنماطا من الدبلوماسية في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط؛ أهمها دبلوماسية الأكاذيب الكبيرة، كما برز ذلك في تبرير احتلال العراق، ثم دبلوماسية الابتزاز ونهب الثروات كما يتم تحت غطاء إعادة الاعمار، ودبلوماسية الإهانة والإذلال إلى جانب سيل من الألعاب الدبلوماسية الصغيرة من زلة اللسان، وتكنيك التوبيخ بدلا من الاعتذار، والتنصت وإدارة الإقليم  بالهاتف الرئاسي، وفيما تبقى من عمر الرئاسة يبقى الباب مفتوحا أمام دبلوماسية الضربات السريعة والموجعة والمفاجآت السياسية.

في الحالة الإيرانية- الاميركية والإسرائيلية هناك شبكة شديدة التعقيد من المصالح تحتاج إلى فائض من السياسة، وقد تحمل معها الوضع السوري واللبناني بينما تتكرس استقلالية كل منهما عن الآخر يوماً بعد يوم. بينما ستبقى واشنطن تنتظر المزيد من النضوج للوضع الفلسطيني، إذ لم تنفض يديها منه خلال العامين القادمين.

الحرب عبر التاريخ هي جزء من السياسة أو هي السياسة المكثفة أو النار التي تحرك السياسة إلا في الشرق الأوسط؛ كلما ازدادت الحروب ازداد الفراغ السياسي.

[email protected]

التعليق