واقعية نصرالله

تم نشره في الثلاثاء 29 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

احسن الامين العام لحزب الله، حسن نصرالله، حينما قدم تقييما موضوعيا يخلو من المبالغات والتضخيم والتهويل، الذي مارسه آخرون، لأحد جوانب العدوان الصهيوني على لبنان. نصرالله قال أول من امس، في مقابلة تلفزيونية، انه لو كان يعلم ان اسر الجنديين الإسرائيليين سيؤدي الى تدمير لبنان لما امر بهذه العملية. وهذا اعتراف مهني موضوعي بأن عملية الاسر لم يرافقها تقدير سليم لحجم ردة الفعل الاسرائيلية، وان الثمن الذي دفعه لبنان نتيجة ذلك كان كبيرا جدا، ويفوق الاهداف المعلنة للعملية، وهي اجراء عملية تبادل اسرى؛ فالضحايا بالآلاف، وعدد المشردين وصل إلى حدود المليون، فضلا عن الخسائر الاقتصادية والدمار الذي لحق بالبنية التحتية للبنان.

ولولا الحسابات الامنية المفهومة، فربما كان جزء من استدراكات حسن نصرالله يتعلق بالخسائر التي لحقت بالحزب وبنيته العسكرية وكوادره. وما لم يتحدث عنه الشيخ هو ان العدوان ادى في النهاية الى اخراج المقاومة من الجنوب اللبناني، وتحقيق مطلب اسرائيلي ودولي تضمنه قرار مجلس الأمن رقم 1559، وتم تطبيقه عبر النتائج السياسية للعدوان.

يسجل للشيخ نصرالله انه يتحدث بواقعية وعقلانية، وكأنه يقول: لو كانت تقديراته لعملية اسر الجنود سليمة، تتوقع ما حدث، فإنه لم يكن ليقدم على تلك العملية. وهذه وقفة مراجعة تحتاج الى شجاعة لا تتوفر لكثيرين؛ انه اعتراف بأن الامر كان اشبه بالمغامرة، لانه لم يقدر ردة فعل العدو الصهيوني، وان ما جرى لم يخدم لبنان لأنه ألحق به الدمار.

وهذا الحديث الجريء من الشيخ نصرالله لا يقلل من قيمة الصمود الذي مارسته المقاومة ضد العدوان، ولا يلغي ان اسرائيل تعذبت في هذا العدوان، بل وسرت اجواء القلق والخوف في اوصال المجتمع الصهيوني. كما أن هذا الحديث لا يقفز عن ان اسرائيل كيان عدواني قائم على القتل، لا يدخر فرصة لممارسة سياسته العنصرية، وقتل الابرياء، وتدمير المدن وتشريد سكانها.

ما قاله الامين العام جزء من عملية المراجعة التي يفترض ان يقوم بها كل طرف؛ فالساحة الاسرائيلية متخمة بالانتقادات والمطالبات بلجان تحقيق وتقييم لاداء الحكومة، ومن الطبيعي ان يكون داخل حزب الله ايضا مراجعة. ويبدو ان ما اراد نصر الله اخراجه الى الاعلام هو ما قاله.

وهذه الواقعية الايجابية من قائد المقاومة التي صمدت رسالة لكل من يحبون ممارسة المبالغة والتضخيم، فلم يروا الا الصمود الذي يستحق التقدير، فيما اغمضوا عيونهم عن جوانب اخرى. بعض هؤلاء مارسوا ذلك بحسن نوايا، وحرصا على الامة التي اتخمتها الهزائم والنكسات وتردي اداء النظام العربي الرسمي، بحيث يبرر لهؤلاء، من اشخاص وقوى شعبية ورأي عام، أن الامة لم تعد ترى انتصارا، فأفرحها ان ترى الرعب في عيون المحتلين، وان ترى قتلاهم وجرحاهم، وان تشاهد صواريخ المقاومة تصل الى المستوطنات.

لكن بعضا آخر، ولا سيما بعض الدول، حاول أن يضخم الامور على قاعدة السلوك الانتهازي، وكأنه يريد سرقة صمود المقاومة وتحويله الى ورقة في تفاوضه السري او العلني. وهكذا، اطلق هؤلاء لحناجرهم وقدراتهم على التنظير والقاء المحاضرات العنان، رغم ان جيوشهم صامتة حتى عن مقاومة المحتل لارضهم! وقد تحدث هؤلاء وكأن احدهم ما يزال غبار المعركة على لباسه ووجهه، وليس مختبئا وممتنعا حتى عن الكلام اثناء العدوان! وتصمت وسائل اعلامه أيضا عن نشر خبر تحليق طائرات العدو فوق بيته ومقر زوجته واطفاله!

اضافة الى الصمود الذي قدمه رجال المقاومة، وما سببوه للاحتلال من اذى وخسائر، فإن قيادة حزب الله تقدم نموذجا في الواقعية والتقييم والمراجعة. ولا يقلل من جهد المقاومين ان تقول قيادتهم انها اسأت تقدير رد الفعل الصهيوني، بل هو اعتراف يسجل لحزب الله، كما يسجل عليها سوء التقدير وتحميل لبنان ثمن عملية غير محسوبة، او ما أسماها بعض العرب بالمغامرة.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق