أولوية المصالحة الداخلية على التنمية

تم نشره في الجمعة 25 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

إعادة بناء لبنان:

 

إن الجهود العظيمة التي بُـذِلَت من أجل إعادة بناء لبنان أثناء تسعينيات القرن العشرين، أصبحت الآن مهددة بالضياع. لكن لبنان ليست الدولة الوحيدة التي تواجه مثل هذه المأساة: فطبقاً لدراسات قامت بها الأمم المتحدة وعدد من المنظمات المستقلة، تبين أن الدول التي تمر بمرحلة انتقالية من الحرب إلى السلام تبلغ احتمالات انزلاقها من جديد إلى مستنقع الحرب حوالي50%. والحقيقة أن التحول إلى السلام في دول مثل تيمور الشرقية، والعراق، وأفغانستان، وكوسوفو، والعديد من الدول الأخرى أصبح يشكل حلماً صعب المنال.

وعلى نحو مماثل، سنجد الكثير من الأمور الخطيرة المعلقة في العديد من الدول الأخرى التي تمر بمرحلة إعادة البناء. فمؤخراً شهدت جمهورية الكونغو الديمقراطية، على سبيل المثال، أول انتخابات تعقدها البلاد منذ أربعين عاماً. وفي منطقة البحيرات العظمى في أفريقيا، التي ربما تكون أكثر المناطق عنفاً في القارة، سوف يعتمد الاستقرار إلى حد كبير على نجاح عملية التحول وإعادة البناء.

حين تضع الحرب أوزارها يصبح لزاماً على البلدان التي دمرتها الحرب أن تخضع لعملية تحول متشعبة. فلابد وأن يحل الأمن محل العنف؛ ولابد وأن تحرص الحكومة على فرض حكم القانون والمشاركة الفاعلة، لا أن ترسخ عدم الشرعية والاستبعاد السياسي؛ ولابد وأن تكون المصالحة الوطنية بديلاً للصراع العرقي والديني والاستقطاب الطبقي والطائفي؛ ولابد وأن يتحول الاقتصاد الذي خربته الحرب إلى اقتصاد السوق القادر على تمكين المواطنين من دعم أنفسهم.

إن هذه المهام المتعددة تجعل عملية إعادة البناء الاقتصادي مختلفة في الجوهر عن "عملية التنمية المعتادة". ولكي يكون النجاح حليفاً لهذه الجهود فإن التحول إلى السلام يتطلب تسريح ونزع سلاح المحاربين السابقين وإعادة دمجهم في المجتمع، فضلاً عن إعادة بناء وتأهيل الخدمات والبنية الأساسية.

والنجاح في التوصل إلى هذه الغايات يستلزم أن تكون لهدف تحقيق السلام الأولوية قبل التنمية، إذا ما حدث تضارب بين الهدفين. ولكن كثيراً ما يتعذر انتهاج السياسات الاقتصادية المثلى وتبني الممارسات السليمة، بل وقد لا يكون ذلك مرغوباً في بعض الأحوال. وهذا أيضاً يعني أن البرامج المرتبطة بالسلام لابد وأن تحظى بالأولوية عند تخصيص ميزانية الدولة.

بطبيعة الحال، تتحدد القرارات الاقتصادية الممكنة استناداً إلى مدى شرعية الحكومة أو الهيئات الأخرى المفوضة باتخاذ القرار. فالحكومات الوطنية الانتقالية الضعيفة، أو الإدارات التابعة للأمم المتحدة أو لقوات أجنبية محتلة، لا ينبغي لها أبداً أن تحاول تنفيذ سياسات مثل خصخصة الموارد الوطنية، حيث أن ذلك قد يثير قدراً كبيراً من المقاومة السياسية.

والحقيقة أن التعجيل بالخصخصة من المرجح أن يكون هداماً في أكثر الأحوال، وذلك لأن حقوق الملكية سوف تظل موضع تشكيك لبعض الوقت. وعلى هذا، فلابد من اللجوء إلى معايير جديدة لقياس مدى النجاح. ومن الضروري في هذا السياق أن يحكم على المشاريع من خلال مدى إسهامها في إحلال السلام وتحقيق المصالحة الوطنية، وليس على أساس اقتصادي بحت.

كان تسريح الميليشيات وتحقيق المصالحة الوطنية على نحو فعّال في السلفادور، على سبيل المثال، من بين العوامل التي أدت إلى ترسيخ السلام في أعقاب الحرب الأهلية الوحشية التي شهدتها البلاد في ثمانينيات القرن العشرين. ولكن في أماكن أخرى من العالم، كان تجاهل السياسة كعنصر أساسي في التحول إلى السلام سبباً في وقوع العديد من العواقب المأساوية.

إن الإخفاق في تسريح قوات الطوائف المتحاربة وتحقيق المصالحة بينها في لبنان، حيث ظل حزب الله مسلحاً على الرغم من تحوله إلى حزب سياسي، سبباً في إبقاء النار مشتعلة تحت الرماد. وعلى نحو مماثل، كان انهيار عمليات السلام في أنغولا وهاييتي، والكبوات العديدة التي شهدتها محاولات إحلال السلام في كمبوديا ونيكارغوا أثناء فترة التسعينيات، بمثابة انعكاس للفشل في تسريح قوات الطوائف المتحاربة وتحقيق المصالحة فيما بينها.

من منظور سطحي تبدو الأمم المتحدة الهيئة المثالية لقيادة جهود إعادة البناء، وذلك لأنها على النقيض من المؤسسات المختصة بالتنمية مثل البنك الدولي، تستطيع العمل على دمج الأهداف السياسية والاقتصادية التي تشكل أهمية متساوية فيما يتصل بجهود التحول إلى السلام. إلا أن الأمم المتحدة أثبتت على نحو متكرر عجزها عن الاضطلاع بهذا الدور. ففي كوسوفو، على سبيل المثال، كان تحول جيش تحرير كوسوفو إلى قوة سلام مدنية سبباً في إيجاد قدر هائل من عدم الأمان مع مرور الأعوام، وهو الأمر الذي قد تندم عليه إدارة الأمم المتحدة في نهاية المطاف إذا لم يؤد القرار الخاص بالوضع النهائي للإقليم إلى الاستقلال الكامل.

كما أدى التعامل مع قضية التحول إلى السلام باعتبارها "عملية تنمية معتادة" إلى تجدد أعمال العنف في تيمور الشرقية، وهي الدولة التي هللت لها الأمم المتحدة ذات يوم باعتبارها قصة نجاح. فقد كان الاستكشاف التجاري للاحتياطي الوفير من النفط والغاز في صدع تيمور كافياً لتيسير عملية إعادة البناء وتوفير فرص العمل لحوالي 30% من قوة العمل العاطلة. لكن ما حدث كان على النقيض من ذلك، ففي ظل الموافقة المتحمسة من قِـبَل المسؤولين في صندوق النقد الدولي، قامت تيمور الشرقية بإنشاء "صندوق نفط" على غرار التجربة النرويجية التي كانت تسعى إلى توفير المال للأيام العصيبة. ولكن في تيمور الشرقية فإن هذه الأيام العصيبة هي الآن.

تقدم العراق العديد من الأمثلة للمخاطر المترتبة على الإخفاق في ترتيب الأولويات على الوجه الصحيح. فقد تبين أن الجهود المبكرة التي بُـذِلَت لتخصيص صناعة النفط في العراق كانت بمثابة الكارثة، حيث أكدت للعديد من العراقيين أن الاحتلال الأميركي عازم على "نهب" ثروات البلاد، الأمر الذي أدى إلى إشعال فتيل المقاومة العنيفة. والحقيقة أن الخصخصة كانت تشكل خياراً سياسياً عجيباً على نحو خاص، حيث كان من الواضح مقدماً أن الفشل مصيرها: فمن الطبيعي ألا يقبل المستثمرون على شراء أصول قد تتغير حقوق ملكيتها بمجرد تولي حكومة شرعية للسلطة في البلاد ـ ولقد شكل نفس السبب معوقاً كبيراً للاستثمار في كوسوفو أيضاً.

لكن الولايات المتحدة لم تستوعب الدرس. فقد أعلنت العراق، وهي على شفا الانزلاق إلى حرب أهلية طاحنة، إعادة هيكلة دينها الخارجي. ولكن بدلاً من تحسين الخدمات والظروف المعيشية في المناطق التي كان بوسعها أن تساعدها في ترسيخ السلام، تعتزم الحكومة العراقية، تنفيذاً لوصية أميركا، تخصيص مئات الملايين من الدولارات للسداد لبنوك الاستثمار، وشركات المحاسبة، والمستشارين القانونيين الذين يساعدون في عملية إعادة التمويل هذه.

إن أي تحول إلى السلام قد يكون سريع الزوال ما لم يحرص صانعو القرار على جعل المصالحة السياسية - وليس السياسات الاقتصادية المثلى- على رأس أولوياتهم. وعلى الرغم من الإخفاقات المتكررة للأمم المتحدة، إلا أنها ربما تكون المنظمة المثالية للإشراف على مثل هذه الجهود. لكن شدة تعقيد المهام التي تواجهها دول ما بعد الصراع تسلط الضوء على التحدي العاجل المتمثل في تزويد الأمم المتحدة بالأدوات اللازمة للاضطلاع بهذا لدور.

جراتسيانا ديل كاستيللو مديرة المجموعة المئوية (Centennial Group)، وهي تعمل حالياً على استكمال كتاب بعنوان "الاقتصاد السياسي والسلام: الدروس وأفضل الممارسات والخطوط السياسية الهادية لإعادة البناء الاقتصادي في مرحلة ما بعد الصراع".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجكت سينديكيت

التعليق