د.باسم الطويسي

شمعون بيريز ونيكول كيدمان: مهارات التسويق السياسي

تم نشره في الجمعة 25 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

يعد شمعون بيريز - نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، ورئيس الحكومة لمرتين إحداهما بعد حادثة اغتيال صديقه اللدود رابين- آخر السياسيين والقادة التاريخيين الذين لا يزالون يمارسون الحكم والسياسة في إسرائيل، إلا ان طالعه السياسي جعله عرضة للخيبات السياسية المتوالية رغم شهرته العالمية وقدرته المبدعة على التسويق السياسي، ما دفعه لقبول منصب نائب رئيس الحكومة، بعد ان أصبح في عهدة شارون وأحد رموز الحزب الجديد كاديما.

يبدو ان بيريز عاد بقوة خلال الأيام الماضية لمهنته الحقيقية في التسويق السياسي، على الرغم ان نموذج بيريز شكل حالة غريبة توضح كيف ان الجمهور الإسرائيلي يرد لهذا العجوز مراوغته بالرفض في صناديق الاقتراع، في حين ان العالم ما زال يعتد به ويصغي إليه.

على كل حال، وجد بيريز دوره، وسط فشل الجنرالات في جنوب لبنان، في القيام بحملة تسويق سياسي جديدة، إلا ان طالع الخيبة عاد ليرافقه منذ تصريحه الشهير مع بداية الحرب، حينما وصف العمليات العسكرية الإسرائيلية بأنها "معركة حياة أو موت بالنسبة للشعب الإسرائيلي"، وانتهت الحرب أو توقفت من دون ان يموت احد أو يفنى آخر سوى الأطفال والضحايا المدنيين في قانا وصريفا ومروحين وغيرها. ثم عادت تصريحات الوزيرة الاميركية حول الشرق الأوسط الجديد لتعيد آمال سفاح قانا الأولى، مرة اخرى، بالعودة إلى مشروعه الذي طرحه في أواسط التسعينيات وتحت المسمى نفسه، حيث حصل عام 1994 على جائزة نوبل للسلام لجهوده في اتفاق اوسلو، وأصبحت رؤيته التي وضحها في كتابه الشهير مرجعية لأسواق السلام على الطريقة الإسرائيلية.

يبدو ان بيريز قد أحس بمسؤولية حيال ميلاد الشرق الأوسط الجديد وذهب في حملة علاقات عامة وتسويق سياسي إلى الولايات المتحدة خلال الأسبوعين الثالث والرابع من الحرب. وتوضح المحاضرة، التي قدمها في معهد واشنطن، ملامح السياسات الإسرائيلية حيال التفاعلات الإقليمية في المنطقة؛ التي تتلخص مرة بدفع العرب لخوض معركة إيران مع اسرائيل، ومرة اخرى لخوض معركة إسرائيل ضد إيران عبر إعادة إنتاج اللعبة المذهبية والطائفية على المقاس الأميركي والمسطرة الإسرائيلية التي تعلم ان تحذيرها من نفوذ طائفي يعني خدمة لمن تحذر منهم أكثر من أولئك الذين تحذرهم. فالولايات المتحدة هي التي تحالفت مع الشيعة في إيران والعراق لإسقاط نظام صدام حسين السني وتحالفت مع الشيعة في إيران لإسقاط النظام الأفغاني الذي وصل بالأصل إلى الحكم بدعم عربي سني.

المهم في حملة التسويق السياسي التي نفذها بيريز هي زيارته لهوليوود ولقاؤه بالممثلة الشهيرة نيكول كيدمان واستمالتها للوقوف إلى جانب إسرائيل في حربها العدوانية على لبنان، بعد ان علت أصوات عشرات الممثلين والفنانين الأميركيين والغربيين ضد الحرب والمجازر الإسرائيلية، كان من بينها التصريحات التي أدلت بها الممثلة الاميركية الشهيرة أنجيلا جولي التي وصفت العدوانية الإسرائيلية بأبشع الصور.

في تفاصيل قصة بيريز وكيدمان التي نشرها موقع "إسرائيل اليوم" ان بيريز قد أقنع "الفراشة الذهبية"، الحاصلة على الاوسكار وصاحبة أعلى أجر في السينما العالمية، بزيارة إسرائيل وأدلت بدورها بتصريحات عبرت من خلالها عن تعاطفها مع إسرائيل وإدانتها "الأعمال الإرهابية" التي قام بها حزب الله في شمال إسرائيل، وجاء في أقوالها انها ستقوم قريبا بزيارة إسرائيل للاطلاع على المواقع التي تعرضت للهجمات الصاروخية. المفارقة في تعليقات القراء الاسرائليين على الخبر والتي انقسمت إلى شطرين؛ احدهما ركز على البعد الديني للجليل وصلوات كيدمان، وآخر ركز على "الشهرة الأنثوية" للممثلة الاسترالية ودور ذلك في الدفاع عن قضايا إسرائيل.

ربما يعبر سلوك بيريز باعتباره آخر من تبقى من حكماء إسرائيل لدى البعض عن مستوى الإفلاس الذي وصل إليه العقل الصهيوني. لكن ما حدث يعد إحدى أدوات العلاقات العامة والتسويق السياسي الذي نجحت  إسرائيل في إدارته عبر تاريخها مقابل فراغ وصمت من قبل الطرف الآخر.

ألا يقال ان السياسات العالمية في حقيقتها هي سياسات السوق، ولم يفعل بيريز أكثر من ذلك، وسياسات السوق وحدها قادرة على إعادة التوازن لنظرة العالم للصراع في الشرق الأوسط، لو قاطع العرب والمسلمون مشاهدة أفلام نيكول كيدمان، على سبيل المثال، وكل السلع التي روجت وأعلنت لها بدءا من دار شانيل وعطورها وصولا إلى اوميغا العالمية؛ انها حكمة شمعون بيريز.

[email protected]

التعليق