"الحب المفقود" بين أوروبا وإسرائيل

تم نشره في الخميس 24 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

لا شيء في العلاقات بين ضفتي الأطلنطي أكثر إثارة للشقاق والجدال من قضية أمن إسرائيل. من هذا المنطلق، وعلى الرغم من عودة العلاقات الودية بين فرنسا والولايات المتحدة، إلا أن آخر حروب الشرق الأوسط، والتي انتهت إلى إصدار قرار مشترك من قِـبَل الأمم المتحدة، أدت في الواقع إلى توسيع وتعميق الفجوة العاطفية التي نشأت بين أوروبا والولايات المتحدة منذ نشوب الحرب في العراق.

والحقيقة أن ما يتجلي أمام أنظارنا الآن نستطيع أن نراه باعتباره نسخة واقعية من مسرحية لويجي بيرانديللو "لكل منا حقيقة خاصة". ومن العدل أن نقول إن كل طرف من أطراف هذه القضية يمثل قدراً من الحقيقة.

يرى أكثر الأميركيين، الآن أكثر من أي وقت مضى، أن إسرائيل تشكل خط الدفاع الأول للغرب ضد الإسلام المتطرف الذي تقوده إيران، حتى ولو عارضوا الاختيارات التكتيكية التي تلجأ إليها حكومة إيهود أولمرت. إن هذه الحرب، على العكس من سابقتها التي شهدت وقائعها لبنان في العام 1982، هي في نظر الأميركيين ليست حرب اختيار بل حرب ضرورة.

أما في نظر أكثر الأوروبيين، وعلى الرغم من عدم تعاطفهم على الإطلاق مع المسلمين المتطرفين، سواء كانوا من السُـنّة أو الشيعة، فهم يرون أن هجوم إسرائيل على حزب الله، وما ترتب على ذلك من دمار لحق بلبنان، بمثابة تدمير للذات من جانب إسرائيل وهو سبب محتمل لتفجر صدام الحضارات بين الإسلام والغرب. ذلك أن التوصل إلى حل للصراع بين إسرائيل وجاراتها لن يتأتى إلا بالسبل السياسية.

إن "الحب المفقود" بين أوروبا وإسرائيل، والذي نستطيع أن نستشعره بوضوح من خلال قراءاتنا لأكثر التقارير الأوروبية عن الحرب، يشكل جزءاً من عملية وليس نتيجة لحدث بعينه. فحتى اندلاع حرب الستة أيام في العام 1967 كانت صورة إسرائيل في العالم تستفيد من ذكريات المحرقة والشعور الصامت بالذنب من جانب جيل كامل من الأوروبيين. والحقيقة أن التبدل الذي طرأ على هيئة إسرائيل منذ ذلك الوقت كان في المقام الأول نتاجاً لعاملين، الزمن والحجم، كما تضخم هذا التبدل بفعل قوة الصورة في عصرنا العالمي.

فمع مرور الوقت وتحول إسرائيل من دولة صغيرة رائدة إلى قوة إقليمية عظمى أصبحت معالم صورتها ضبابية وسلبية على نحو متزايد، بينما انتشر التأييد للقضية الفلسطينية. ولقد كانت سياسات إسرائيل الاستيطانية، والمعارضة للتحالف المتقارب على الدوام بين إسرائيل والولايات المتحدة، فضلاً عن تفاعل الحساسيات المتصلة بتنامي أعداد المسلمين، من الأسباب التي أسهمت في تفسير تحرر أوروبا من وهم إسرائيل.

من قبيل المفارقة هنا، أنه على الرغم من الأصول المسيحية لمعاداة السامية في أوروبا، إلا أن عملية "الانصراف عن المسيحية" التي شهدتها القارة لعبت دوراً كبيراً ضد إسرائيل. ففي أوقات التصالح بين المسيحية واليهودية كانت أوروبا الأقل مسيحية أكثر عزوفاً عن مراعاة الخصوصية الروحانية لدولة إسرائيل. وهذه المواقف في الإجمال تتناقض مع القوة المتنامية لعملية إحياء المسيحية في أميركا، حيث يجمع اليمين البروتستانتي الإنجيلي بين تأييده لإسرائيل العظمى كما وردت في الإنجيل وبين شكل تقليدي من أشكال معاداة السامية. فمن المحتم طبقاً لهذه المعتقدات أن يتحول اليهود إلى المسيحية قبيل نهاية الزمان.

اليوم بلغ الأوروبيون درجة من التوحد عاطفياً في "اعتدالهم" إزاء إسرائيل. ولم تعد ألمانيا تشكل استثناءً حين نتحدث عن الرأي العام، كما توحدت الحكومات الأوروبية في عزوفها عن إرسال قوات للفصل بين إسرائيل وحزب الله.

إلا أن الانقسامات السياسية داخل أوروبا تذكرنا بتلك الانقسامات التي سادت أثناء حرب العراق. فقد تبنت ألمانيا بطبيعة الحال موقفاً مختلفاً بعض الشيء في ظل حكم انجيلا ميركيل، وذلك بسبب العلاقة الخاصة بين الحزب الديمقراطي المسيحي وبين إسرائيل. وعلى النقيض من ذلك، سنجد أن إسبانيا وإيطاليا أكثر ميلاً إلى الانتقاد وأقرب إلى الموقف الفرنسي. والحقيقة أن التواجد الفرنسي كان أكثر من التواجد الأوروبي بصورة عامة في سياق الحرب الأخيرة التي شهدها الشرق الأوسط، أو على الأقل على الجبهة الدبلوماسية المرئية.

ومن قبيل المفارقة هنا أيضاً أن فرنسا التي بدأت، أو على الأقل عززت، أزمة الهوية العميقة التي وقع فيها الاتحاد الأوروبي برفضها لدستور الاتحاد الأوروبي في العام 2005، هي الدولة التي تستطيع أن تخرج من مستنقع الشرق الأوسط اليوم وقد اكتسبت المزيد من النفوذ والقوة. ومن السهل أن نفسر هذا، فباعتبارها قوة انتداب سابقة، كانت فرنسا تتسم دوماً باهتمام كبير وحضور واضح في لبنان، ولقد تعمق ذلك النفوذ بسبب العلاقات الشخصية الوثيقة بين الرئيس جاك شيراك ورئيس وزراء لبنان الأسبق الراحل رفيق الحريري.

ولكن هل توافق فرنسا في النهاية على إرسال عدد كبير من القوات لتعمل في إطار القوة التابعة للأمم المتحدة لمراقبة السلام في جنوب لبنان؟ إذا لم تفعل فرنسا ذلك فإنها بهذا تلحق الضرر بمصداقيتها "كدولة جادة"، وسمعتها باعتبارها ذات توجه نادر في أوروبا، فهي الدولة التي لا تتورع عن التدخل عسكرياً بقواتها. إنها فرنسا التي كان شعارها ذات يوم "أنا أتدخل إذاً أنا موجودة".

أما بريطانيا العظمى، وهي الدولة الأوروبية الأخرى الميالة إلى التدخل العسكري، فهي غارقة في مستنقع العراق وأفغانستان. وما زالت ألمانيا غير راغبة في التدخل بصورة عامة، وبصورة خاصة في صراع يتضمن إسرائيل بصورة مباشرة، الأمر الذي يجعل فرنسا الطرف الأوروبي الوحيد القادر على التدخل. إن الدرس الذي يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يخرج به من هذا في غاية الوضوح: فإذا ما كان راغباً في أن يشكل وزناً على الصعيد الدبلوماسي، فلابد وأن يكون قادراً على الأقل على إحداث انطباع بأنه يشكل وزناً على الصعيد العسكري.

إن الصيغة الحالية التي يعمل الاتحاد الأوروبي وفقاً لها، "إذا اتحدنا نسقط وإذا انقسمنا نصمد" لا تبشر بالخير فيما يتصل بمستقبل السياسة الخارجية والأمنية في أوروبا. ولقد كان الشرق الأوسط يشكل أرضاً طبيعية لنشوء حضور أوروبي جديد في العالم. وما دامت أوروبا بتراثها الاستعماري والمعادي للسامية تشكل أصل المتاعب التي يعيشها الشرق الأوسط حتى اليوم، فقد كان لزاماً على الاتحاد الأوروبي أن يتعهد بجزء من الحل على أقل تقدير. ولكن مما يدعو للأسف أن الشرق الأوسط، فضلاً عن المصير المأساوي الذي يواجهه، قد فضح أيضاً مدى الضعف الذي تعانيه أوروبا.

دومينيك مويزي أحد مؤسسي وكبير مستشاري المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (Ifri)، وهو أستاذ بكلية أوروبا في ناتولين بوارسو.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق