عمير بريتس؛ الخاسر الأكبر

تم نشره في الاثنين 21 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

قد يكون العامل الزمني للعدوان الإسرائيلي على لبنان، خشبة الإنقاذ لمستقبل رئيس الحكومة إيهود أولمرت السياسي، الذي ستحدده نتائج الحرب بعيدة المدى، على الرغم من انشغال وسائل إعلام إسرائيلية بلوائح الربح والخسارة الحزبية، بعد أيام قليلة من بدء وقف إطلاق النار في الحرب على لبنان، وفي المقابل فإن الحرب ذاتها ستشكل ضربة مؤلمة لزميله وزير الحرب عمير بيرتس، زعيم حزب "العمل".

من الواضح ان الحكم على نتائج هذه الحرب من الصعب تحديده منذ الآن، فالنتائج الأهم بالنسبة لإسرائيل، وأيضا للبنان، هي النتائج بعيدة المدى، بمعنى مدى صمود اتفاق وقف إطلاق النار، وهدوء الجبهة الشمالية في إسرائيل، وحتى الشكل الذي ستستقر عليه الأوضاع الداخلية في لبنان، وقد نذهب بعيدا قليلا للحديث عن مستقبل التعامل الدولي والإقليمي مع كل من سورية وإيران.

وهذه الأسئلة خاضعة للمجهر الإسرائيلي في الساحة الحزبية، فهدوء الحدود الشمالية، وعدم نشوء أي صدام عسكري مع حزب الله، أو أية جهة أخرى، سيسجل كإنجاز لصالح أولمرت، كذلك فإن التطورات في الساحة الداخلية اللبنانية، مثل تراجع الظهور العسكري لحزب الله، إلى جانب بروز ظهور القوة الدولية والجيش اللبناني في جنوب لبنان، سيساعد أولمرت على تخطي أزمته الحالية، على ضوء كثرة التقارير التي تتحدث عن فشل الحرب في تحقيق نتائجها، وأن ما تحقق لا يساوي قيمة الخسائر الإسرائيلية الاقتصادية والبشرية.

ولهذا فإن الحديث عن انهيار حكومة أولمرت قريبا، أو أن اليمين الإسرائيلي الذي دعم الحرب بشكل مطلق خرج من الحرب رابحا، هو أمر من السابق لأوانه جدا، فوسائل الإعلام الإسرائيلية تحاول الظهور بتقارير واستطلاعات تتماشى مع توجهاتها السياسية الداخلية، ولهذا فإننا نرى تباينات جمّة في نتائج استطلاعات الرأي، في ما يتعلق بالتأييد الحكومة ورموزها، وقادة الجيش.

إن كون الحرب قد اندلعت بعد شهرين من تشكيل الحكومة الإسرائيلية، سيعطي رئيسها أولمرت وقتا كافيا، في محاولاته لإثبات "انتصار إسرائيل"، على المستوى البعيد لهذه الحرب. إلا أن أولمرت مقبل في الأشهر الأخيرة، وفي حال عدم انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، على أزمة حكومية داخلية، من الصعب تحديد مقاساتها والشكل الذي ستنتهي به، منذ الآن، وستتمحور هذه الأزمة حول إعداد ميزانية إسرائيل للعام القادم 2007، التي من المفترض ان يقرها الكنيست حتى اليوم الأخير من العام الجاري.

فقبل الحرب كان على هذه الميزانية ان تلبي سلسلة من المطالب الاجتماعية للأحزاب الثلاثة الشريكة لحزب "كديما" في حكومة أولمرت، وعلى ضوء هذه الوعود تم إقرار ميزانية العام الجاري بتأخير ستة اشهر، أي في منتصف شهر حزيران (يونيو) الماضي.

وبعد الحرب فإن الحديث في إسرائيل يجري عن إجراء تقليصات في الميزانية العامة من نصف مليار دولار إلى مليار دولار، من اصل 64 مليار دولار، وفي الوقت نفسه ستجري زيادة ميزانية وزارة الحرب بنصف مليار دولار، بدلا من تقليصها بقيمة 330 مليون دولار حسب المخطط السابق، بمعنى ان التقليصات، بالضرورة، ستطال الخدمات والملفات الاجتماعية التي بنت الأحزاب الثلاثة، "العمل" و"شاس" والمتقاعدون"، أجندتها الانتخابية عليها.

وقد علّمت التجربة أن الشرائح الفقيرة والضعيفة هي الخاسر الأكبر من أي تقليص في الميزانية كون أن أية ضربة اقتصادية سيكون تأثيرها عليها أكبر من غيرها، وهذه الشرائح التجأت بالأساس إلى هذه الأحزاب الثلاث، التي سيكون عليها تقديم أجوبة لجمهور ناخبيها.

وعلى الرغم من ذلك، وكما سبق، فمن السابق لأوانه الحديث عن أزمة حكومية ستهدد الائتلاف الحاكم في إسرائيل بالانهيار.

إن الخاسر الأكبر، إسرائيليا، من هذه الحرب سيكون وزير الحرب عمير بيرتس، الذي بنى شخصيته السياسية على مدى 30 عاما، بمستويات مختلفة، كالشخصية المدافعة عن القضايا الاجتماعية والفقراء، وبنى من حوله قواعد شعبية على هذا الأساس، وأمضى السنوات الإثني عشرة الأخيرة رئيسا لاتحاد النقابات العامة، "الهستدروت"، سيحاول منذ الآن بناء شخصية جديدة، من الصعب جدا رؤيته قادرا على إقناع قواعده بها.

فعمير بيرتس الذي كان عمليا ختما مطاطيا وناطقا بمطالب قادة جيش الاحتلال في عدوانه على الشعبين اللبناني والفلسطيني في الشهرين الماضيين، لم يظهر حتى "كجنرال الحرب المنتصر"، فحين تسلم حقيبة وزارة الحرب قبل أقل من أربعة اشهر، هناك من رأى أن بيرتس أراد إضافة جانب أمني لشخصيته السياسية، وهذه الحرب لم تكسبه هذا الجانب وفي نفس الوقت خسر أيضا شخصيته كمدافع عن الشرائح الفقيرة الضعيفة، خاصة مع إعداد الميزانية القادمة، بمعنى ان بيرتس خرج من هذه الحرب بخفي حنين، أو كما يقال، "مثل مصيّف الغور". 

كذلك فإن بيرتس سيواجه في الفترة المقبلة حربا لا هوادة فيها، في داخل حزبه، خاصة من مجموعة المتمردين عليه في داخل الحزب، بقيادة الجنرالات الثلاثة، عامي أيالون، وداني يتوم، ومتان فلنائي، والى جانبهم البروفيسور أفيشاي بارفرمان، ومعهم بعض النواب الآخرين، الذين أهملهم بيرتس ولم يمنح أيا منهم حقائب وزارية أو مناصب برلمانية.

وستحتد هذه المعركة الداخلية في الحزب مع البدء بإعداد ميزانية إسرائيل للعام القادم، والحديث عن الضربات الاقتصادية، وكل هذا سيكون مقدمة للمنافسة على زعامة الحزب في الانتخابات الداخلية التي من المفترض ان تجري بعد عام من الآن.

إن "رأس" بيرتس سيكون مطلوباً لعدة جهات، ولكن الجهة الأكبر ستكون في داخل حزبه، ومن مؤشرات هذا إعلان مقربي رئيس الحكومة ورئيس الحزب الأسبق، إيهود براك نيته البدء بتحركات جدية للإطاحة بعمير بيرتس عن زعامة الحزب في الانتخابات الداخلية المقبلة، رغم ان ليست هذه المنافسة التي ستقلق بيرتس، بل ما سيخاف منه بيرتس هو منافسة أسماء شابة قد تقرر فجأة منافستها، مثل الوزير أوفير بينيس، أو زميله يتسحاق هيرتسوغ.

بالمجمل العام، لا يمكن الحديث، منذ الآن، عن هزّة حزبية قادمة في إسرائيل، فهذه الحرب لم تخلف من ورائها احتلالا، كما شهدنا في حروب إسرائيل السابقة، ولهذا فإنها ستبقى حربا محدودة، وقد تبرد "سخونة" تقاريرها في الأشهر القليلة القادمة، إلا إذا أثارها من جديد تقرير لجنة التحقيق الرسمية في الحرب التي ستضطر الحكومة لإقامتها، وقد يستغرق عملها أكثر من عام، وتقريرها سيكون مصيريا لكل المشاركين في قرار الحرب في إسرائيل.

الناصرة- كاتب ومحلل سياسي

[email protected]

التعليق