د.باسم الطويسي

نهاية مفتوحة لحرب مفتوحة

تم نشره في الجمعة 18 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

ألم يُطلق عليها "الحرب المفتوحة" من قبل الاسرائيلين ووافق على ذلك حزب الله، وعملت وسائل الإعلام العربية التي تلقف هذا المسمى على الترويج له. ثم، هل يحمل وقف العمليات القتالية بدون نتيجة محسومة إشارة قوية على انها نهاية مفتوحة معناها؛ الجميع خسروا في هذه الحرب والجميع كسبوا فيها.

 في حين ان الخلاف السائد في هذا الوقت على وصف النتائج سوف يتوقف قريباً بدون نتيجة واضحة، ما يفسر ان هذا النمط من العمليات العسكرية المحدودة والمتوسطة لا تنطبق عليه فرضيات المعادلات الصفرية في الاستراتيجيات القتالية التقليدية؛ والتي تقول ان اي خسارة على هذه الجبهة تعني كسباً للجبهة الأخرى والعكس تماماً. وهذا قد يفضي إلى نتيجة قد لا يراها الكثيرون؛ مفادها ان ما آلت إليه الحرب يعني بداية دخول المتنازعين على الجبهات أو من يقف خلفهم إلى تفاهمات سياسية جديدة لم تكن في البال ولا في الحسبان.

في سياق النظرة الواسعة لزوايا المشهد بأكمله لم تكن الحرب العدوانية على لبنان اقل من كونها حلقة جديدة من حلقات الفوضى الاميركية في المنطقة، وأحد تعبيرات هذا الوضع يبدو حالياً في فوضى وصف النتائج التي آلت اليها العمليات العسكرية، وفي فوضى موازية اخرى تدار بواسطة استقطابات إعلامية وسياسية كل منها يحاول ان يبني له قواعد سياسية ومجتمعية في ارض لم تعد صالحة لزراعة شيء من كثرة التجريب والحراثة البور.

الأمين العام لحزب الله عد نتيجة الحرب انتصاراً تاريخياً واستراتيجياً للمقاومة وهو وصف يبدو أكثر عقلانية لرجل خاض تفاصيل الحرب واكتوى بنارها من وصف الرئيس الإيراني الذي وصف نهاية العمليات العسكرية بأنها انتصار لحزب الله، وهو حتمية وتحقيق لوعد إلهي.

على الجهة المقابلة؛ عد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتيجة الحرب انتصاراً دبلوماسياً لإسرائيل مقارنة مع وصف الرئيس الأميركي الذي اعتبر نتيجة الحرب هزيمة نكراء لحزب الله، أما الرئيس السوري بشار الأسد فذهب إلى ان مشروع الشرق الأوسط الجديد بات وهماً بعد انتصار حزب الله، بينما ذهب الحليف البعيد الرئيس السوداني إلى استثمار الحالة الراهنة ووعد أي تدخل أجنبي تحت مظلة القوات الدولية في دارفور بمصير الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، في حين لاذت أنظمة عربية عديدة إلى الصمت بعضها يلتزم الصمت باعتباره استراتيجية في هذه المواقف، وبعضها ينتظر حقيقة ما سينجلي عنه ما تبقى من غبار المعارك.

وعلى العموم، تبدو نتائج الوقائع العسكرية فارقة لكل طرف من الأطراف وذلك في ميزتها الماثلة بأنها نهاية حرب حمالة أوجه، وقابلة لأكثر من مستوى في التحليل؛ فلأول مرة في الحروب الإسرائيلية تبدو الهزيمة قابلة للقسمة والنصر قابلا للاقتسام؛ على الجانب الإسرائيلي الأميركي، ومن منظور التفاهم الاستراتيجي بين الطرفين، وبالعودة إلى للتقرير الرئاسي لمجلس العلاقات الاميركية– الإسرائيلية(ايباك) فإن نتائج الحرب حققت جل الأهداف المطلوبة وأهمها تخويل إسرائيل بفرض قرار مجلس الأمن(1559) بالقوة، والمتمثل في نشر الجيش اللبناني في الجنوب إلى جانب قوات دولية، وانحسار حزب الله نحو عشرين كيلومترا شمالاً ونزع القوة الصاروخية للحزب بعيدة المدى، فالوثائق الاميركية– الإسرائيلية تتحدث دائماً في هذا الحد، وهذا الوصف ذاته الذي قدمه التقرير الرئاسي لمعهد واشنطن في المحور الذي تحدث عن الخيارات السورية ولم يتحدث عن نزع كامل لسلاح حزب الله.

أما الصوت الغالب الذي يصور النصر بأنه حليف للمقاومة اللبنانية فيمتلك من الوجاهة ما يبرر هذا الوصف الذي أعلن قبل ان تنجلي الأيام الأولى من الحرب، بل ان اللبنانيين أنفسهم اختلفوا؛ إلى من سيهدي حزب الله نصره منذ الأيام الأولى للحرب. الفكرة المحورية هنا تدور حول قدرة المقاومة على إيقاع خسائر في جيش نظامي يمتلك ترسانة عسكرية واحترافا قتاليا يعد في مقدمة جيوش العالم، بل يتفوق على الجيش الأميركي نفسه في العمليات الخاصة والعمليات العسكرية المحدودة وقتال المقاومة والمدن.

القيمة في هذا الشأن ان النصر تحدده قدرة المقاومة على إيقاع الألم في الجانب الإسرائيلي وهو ما تم بالفعل، إلى جانب ما كشفت العمليات العسكرية عنه من قدرات قتالية عالية وكفاءة ميدانية مفاجئة قدمها مقاتلو المقاومة، علاوة على التسليح والتقنية التي يمتلكها حزب الله، وربما لا تملكها جيوش نظامية يحسب ويعد لها في المنطقة، وكشفت نتائج العمليات العسكرية عن نوع آخر من الردع الذي هز العديد من المفاهيم الاستراتيجية الإسرائيلية.

على هذا الأساس الموضوعي تبدو إشكالية تحديد حسابات الخسائر والمكاسب، لدى الأطراف التي خاضت الحرب، بمثابة المعركة الأخرى التي يستكمل من خلالها رؤية مشهد هذه الحرب، يمكن رصد أكثر من ثماني جهات أو أكثر خسرت من هذه الحرب أهمها؛ إسرائيل وحزب الله ولبنان والشرعية الدولية والأمم المتحدة وصورة الولايات المتحدة والأنظمة العربية وسورية والمقاومة الفلسطينية، وكسبت إسرائيل وحزب الله والوحدة الوطنية اللبنانية وإيران وسورية والمقاومة الفلسطينية والإعلام العربي وحتى الإعلام العسكري الإسرائيلي؛ الم يظهر افحاي ادرعي الناطق باسم الجيش الإسرائيلي ويمنح من الوقت على شاشات الفضائيات العربية أكثر من أي جنرال عامل في تاريخ العسكرية العربية، بينما اكبر الخاسرين بدون أدنى جدال هو الشعب اللبناني والدولة اللبنانية.

يقال في الاستراتيجيات الجديدة ان الأزمات الكبيرة تنتهي إلى فرص كبيرة وتحديات كبيرة أيضا. وهذا بالتحديد وصف المشهد في اليوم التالي للحرب، لم تتغير قواعد اللعبة بقدر ما تجسدت القواعد التقليدية على الأرض أكثر.

[email protected]

التعليق