إبراهيم غرايبة

نهاية الحوسبة

تم نشره في الجمعة 18 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

تسعى الحوسبة المتمحورة حول الإنسان وربما يحدث ذلك مع حلول العام 2020 إلى تطوير قدرة الحواسيب لتقوم بمجهودات يقوم بها الإنسان نفسه اليوم، مثل قراءة المعلومات وتصنيفها وفرزها وتلقي الطلبات وإجابتها دون مجهود يدوي وذهني كبير يقوم به الإنسان، وتكامل الأنظمة والبرامج بعضها مع بعض. فإلى أين ستمضي هذه الحوسبة بالمجتمعات والأعمال والموارد والعلاقات؟ بالطبع فإن هذا السؤال ليس جديدا ولا مستغربا، وسأواصل في هذه المقالة بعض إجابات وأفكار مايكل ديرتوزوس في كتابه"ثورة لم تنته" ويقدر أنه سيكون بمقدور حوالي 20% من السكان في العالم العمل والتواصل مع الإنترنت، وسيكون ربع الاقتصاد العالمي قائما على المعلوماتية وشبكاتها، ولن نعود نشعر بتقانة المعلومات المتداخلة في حياتنا، وسوف نوفر نسبة كبيرة من الوقت الذي كنا نبذله في ما أصبحت الحواسيب تقوم به.

فما الذي سنفعله بكل هذا الوقت الذي سنوفره؟ هل سنعمل أكثر؟ هل ستساعدنا الحواسيب أن نكون أكثر إنسانية؟ فيزيد التعاون والتواصل بين الناس، وتنشأ ثقافة عالمية متناسقة، أم سنتحول إلى كسالى غير منتجين نعتمد اعتمادا مفرطا على الآلة؟ هل سيصبح الفقراء أكثر ثراء؟ وإلى أي مدى نستطيع أن ننطلق بالحواسيب المتمحورة حول الإنسان في اتجاه تعزيز إنسانيتنا؟

إذا كنت مسرورا بما تقدمه لك السيارات والكهرباء والتقنيات التقليدية فسوف تكون مسرورا أيضا بما تقدمه لك الحواسيب الجديدة، فسوف تتمكن من أداء أعمال أكثر في وقت أقل، خاصة الأعمال المكتبية، وسوف تكون نظم العمل أكثر سهولة وأكثر سرعة ودقة، وسوف تنال التعليم والفائدة والخدمة والمتعة والتسلية بطرائق جديدة أكثر متعة، وسوف تؤدي المنظمات وظائفها بكفاءة أكثر بما في ذلك الحكومات، وسيكون هذا التحول المجتمعي أعمق من التحسن المنفعي المتزايد في الإنتاجية البشرية وسهولة الاستخدام، فهل سيكون حالنا أفضل؟ يعتمد ذلك علينا، فالمسارات والمستقبلات ليست حتمية.

يحتاج التطبيق النهائي لثورة المعلومات أن تنتشر على نطاق العالم، وأن تصل فوائدها وتطبيقاتها إلى الفقراء كما الأغنياء، وهناك عقبات غير الحواسيب والاتصالات يجب حلها، مثل التعليم واللغة والطاقة ووسائل النقل ورأس المال والقصور الذاتي للحكومات والثقافة.

وقد يلزم إطلاق برامج لتدريب الناس حول العالم على المهارات الأساسية الجديدة، فثمة عالم جديد من الحوسبة المتمحورة حول الإنسان يحب أن يعمل من أجل كل البشر، وما لم يحدث اتصال بيني لأغلبية الناس في كوكبنا فلن يستطيع البشر أن يؤدوا ما هو أكثر بفعل ما هو أقل، ولن ينال هذا الامتياز إلا أقلية من الناس.

وستكون التقانة هذه مهمة في الإسهام في كل جهد نبيل، وفي فهمنا لعالمنا بنفس القدر من الأهمية الذي أسهمت به مثل المذهب الإنساني ومازالت مستمرة في الإسهام به، وإذا أبقينا التقانيين منفصلين عن الإنسانيين فإن هذا سيبقينا بعيدين عن اكتشاف المناطق الجدية في حياة الإنسان وتداعياتها.

الناس لديهم حاجة متأصلة إلى الروحانية التي توازن بين شعورنا بالعجز إزاء كثير من الأسرار المحيطة بنا، فهل سيبقى التعليم مقيدا بالقراءة والحساب والعقل؟ ماذا عن الميلاد والصداقة والحب والزواج والطلاق والصراع والموت والهدف؟ ماذا سنفعل عندما تتمكن الهندسة الوراثية من تغيير شخصية الجنين؟ كيف سنتعامل مع الجرائم العابرة للحدود على الإنترنت؟

لا تستطيع التقانة الخالصة أن تحل هذه المشاكل، كما لا تستطيع ذلك النزعة الإنسانية الخالصة ولا الإيمان الخالص، نحن بحاجة إلى أن نعيد ضمها كلها معا إذا كنا نريد أن نجد طريقنا خلال تلك المتاهة من العالم الذي يتزايد تعقيدا.

سينتج عن التقانات المتمحورة حول الإنسان أن تصبح الحواسيب أكثر قربا منا وتعطينا القدرة على أن نؤدي ما هو أكثر بفعل ما هو أقل، ولكن المعنى الأسمى للتمحور حول الإنسان وفائدته القصوى لنا سيتحددان بما يفعله لإنجاز ما نضعه من أهداف إنسانية، وسيكون حالنا أفضل إذا التمسنا هذه الأهداف باستخدام كل أبعادنا الإنسانية في تناغم، ونحن نقف مرة أخرى في روع أمام غروب الشمس وما قد يكمن وراءها.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق