محمد أبو رمان

أسئلة ما بعد الحرب

تم نشره في الخميس 17 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

على الرغم من توقف العمليات العسكرية والتزام كل من إسرائيل وحزب الله بها نسبياً، وصدور قرار مجلس الأمن (1701) الذي يحدد مجمل الحصاد السياسي لهذه الحرب، إلاّ أنّ سؤال النصر والهزيمة لا يزال محيراً لدى أكثر الشارع العربي، وجدلياً في المشهد السياسي والإعلامي العربي عموماً.

ثمة فريق عريض من الإعلاميين والسياسيين يرون أن حزب الله حقق انتصاراً تاريخياً وألحق هزيمة تاريخية مدوية بإسرائيل، وحطّم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وكان حسن نصر الله هو أوّل من حسم هذه النتيجة بقوله إنّ المقاومة حققت "نصراً تاريخياً واستراتيجياً"، وهو ما أكده كل من الرئيسين السوري والإيراني. بينما يرى اتجاه آخر أنه على الرغم من صمود وبسالة مقاومي حزب الله وعدم قدرة إسرائيل على تحقيق هزيمة عسكرية بالحزب إلاّ أنّ المحصلة العامة سياسياً واستراتيجياً كانت بالمطلق لصالح إسرائيل، وقد عبّر عن هذه النتيجة كل من بوش وايهود أولمرت.

بالفعل؛ نحن أمام حالة تاريخية نادرة ومشهودة تنتهي فيها الحرب ويبقى سؤال النصر والهزيمة جدلياً بامتياز. ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى أنّ هذه الحرب معقدة ومركبة في مستوياتها وأبعادها تختلط فيها الجوانب العسكرية بالسياسية والاستراتيجية والرمزية، وقد تمكّن كل طرف من تحقيق إنجاز في جوانب مقابل إخفاق في جوانب أخرى، ما جعل النتيجة "نسبيّة" تتوزع فيها الأرباح والخسائر بين الجانبين وتدخل عدة معايير في تقرير  تداعيات الحرب.

عسكرياً؛ ثمة فارق واضح وكبير في ميزان القوى بين الجانبين، كما أنّ "ميزان الدم" هو لصالح إسرائيل، فمهما كانت الأضرار والخسائر المادية والبشرية التي ألحقها حزب الله بإسرائيل فإنّها لا تقارن بمستوى الخراب والدمار والمآسي الإنسانية التي ألمّت بلبنان. بالتأكيد لم تكن حرباً عادلة ولا شريفة من جانب إسرائيل، لكن متى كان للأخلاق قيمة حقيقية في حروب أميركا وإسرائيل. فهناك آلاف الشهداء والمصابين وملايين المهجرين ومدن وقرى سويّت بالأرض، مع معاناة إنسانية بحجم أكبر من الكارثة تركت آثاراً نفسية استقرت في أعماق الناس المنكوبين. فأي حديث عن توازن الرعب ومعادلة الأرباح والخسائر الإنسانية والاقتصادية فيه مبالغة كبيرة وغير واقعي.

في المقابل لم تحقق إسرائيل أهدافها العسكرية المعلنة باستعادة الأسيرين وتدمير ترسانة حزب الله وإيقاف صواريخه على المدن الإسرائيلية أثناء العمليات العسكرية، وأظهر مقاتلو حزب الله قدرة عسكرية ومقاومة باسلة تمكنوا خلالها من الصمود والوقوف في وجه الجيش الإسرائيلي والحاق خسائر كبيرة به، وامتصاص الصدمة الأولى في الحرب، بل وامتلاك عنصر "المفاجأة العسكرية" الذي يعد عاملاً حاسماً ومؤثراً. ففي هذا المجال حقق بالفعل حزب الله اختراقاً تاريخياً واستراتيجياً كبيراً وأضر بسمعة جيش إسرائيل وهيبته، وخلق قناعة جديدة بأنّ فارق القوى العسكرية يمكن أن يعوّض في جوانب أخرى، إذا كان هنالك تخطيط عسكري صحيح تسنده إرادة وتصميم سياسي صارم.

الإنجاز العسكري لحزب الله ليس موضع شك أو نقاش حتى عند الإسرائيليين أنفسهم، فلم تنتظر الصحافة الإسرائيلية بعد صمت المدافع كثيراً حتى فتحت جبهة واسعة وعريضة من النقد لإدارة العمليات الحربية والعسكرية وتواضع الأهداف التي حققتها الحكومة على هذا الصعيد، على الرغم من مشاركة عشرات الآلاف من الجنود والقيام بآلاف العمليات الجوية والبرية.

الفجوة الحقيقية تتمثّل بأنّ إنجاز المقاومة العسكري لم ينعكس سياسياً، ولا يعود سبب ذلك إلى إخفاق الدبلوماسية اللبنانية، فقد أظهرت الحكومة ورئيسها السنيورة أداءً سياسياً يتكافأ تماماً مع الجانب العسكري، وحققت أقصى ما يمكن الوصول إليه سياسياً، إلاّ أنّ هذه الحرب كانت محسومة سياسياً قبل أن تبدأ عسكرياً (!) فقد منح التوقيت الخاطئ لعملية حزب الله الذريعة المنتظرة لكل من الإسرائيليين والأميركيين لتنفيذ مخططهم المطلوب لترتيب المعادلة الإقليمية، في سياق مناخ دولي وإقليمي مواتٍ تماماً. وفي المحصلة اضطر حزب الله للموافقة على ما كان يرفضه سابقاً، وفي مقدمة ذلك انتشار الجيش اللبناني على طول الحدود، ما يعني نهاية العمليات العسكرية للحزب، عبر الحدود، دون أن يتضمن القرار مطالبة صريحة لإسرائيل بالانسحاب من مزارع شبعا، ما يمثل تراجعاًَ عن مواقف سياسية جوهرية للحزب.

بعيداً عن الحسابات الواقعية الملموسة فإنّ الأبعاد الرمزية والروحية تحتل منزلة ومكانة كبيرة في طبيعة هذه الحرب، فقد تمكّن حزب الله من تحقيق إنجازات؛ إذ ألحق، لأول مرة في تاريخ الصراع، أضراراً معنوية ونفسية واقتصادية كبيرة بالمجتمع الإسرائيلي، إذ جعلت صواريخ المقاومة مدن شمال إسرائيل خالية من السكان، وأرغمت حكومة تل أبيب على تجنب قصف بيروت، باستثناء الضاحية، كي لا تقصف تل أبيب، والأهم من هذا وذاك أن المقاومة ردت الروح المعنوية للشعوب العربية التي وصلت إلى حالة حرجة قبل الحرب؛ مع سقوط بغداد والتخاذل الرسمي العربي والهزائم المتكررة، والنكسات العسكرية المتتالية.

رمزياً، وهو سياق خطر ومهم جداً، حققت المقاومة إنجازا حقيقياً ليس من المتوقع أن تظهر له أثار ملموسة قريباً، لكن على الأمد البعيد ثمة أبعاد اجتماعية وثقافية كبيرة له.

على الصعيد الاستراتيجي لا تزال المعادلة غامضة وغير محسومة، فعلى الرغم من نشوة النصر التي حرص أن يبديها كل من الرئيسين نجاد والأسد، إلاّ أنّ إيران، إن لم تقع "فتنة داخلية" لبنانية، خسرت ورقة مهمة في الصراع مع الولايات المتحدة، التي تمكنت من تحييد حزب الله في المرحلة القادمة من المواجهة مع إيران، كما أنّ دمشق خسرت ورقة حزب الله، وتضاءل دورها أكثر وأكثر في لبنان، التي ستخرج تماماً، في حال استقرت المعادلة الداخلية، من حسبة سورية الإقليمية.

أمّا إذا تدهورت الأوضاع الأمنية والسياسية اللبنانية فإنّ سورية، بدرجة رئيسة ثم إيران، سيبقيان لبنان ساحة مفتوحة لهما في إدارة الصراع الإقليمي وورقة رابحة في عالم الصفقات السياسية. في المقابل فإن حلفاء أميركا من النظم العربية يبدون أكبر الخاسرين على صعيد الشرعية الداخلية والعلاقة مع شعوبهم.

تداعيات الحرب على الجانب الفلسطيني أكثر غموضاً؛ فالطرف الرسمي العربي يحاول الوصول إلى نتيجة دولية، بعيدة المنال، أنّ حلاً عادلاً للقضية الفلسطينية هو الوحيد القادر على بناء حالة من الاستقرار في المنطقة، بينما يخُشى أن تحاول إسرائيل تعويض خسارتها المعنوية والرمزية بالأساليب الوحشية مع الفلسطينيين. بينما تسعى أميركا إلى "تسكين" الحالة الفلسطينية ريثما يتم التعامل مع البرنامج النووي الإيراني، فهذه الاعتبارات ستلعب دوراً جديداً في تحديد المعادلة القادمة على الصعيد الفلسطيني.

النتائج الاستراتيجية لهذه الحرب، لم تحسم بعد، إذ ترتبط أولاً بالمتغيرات الإقليمية وبالتحديد البرنامج النووي الإيراني، الذي يشكل بيت القصيد في تحديد مستقبل المنطقة، وثانياً بالمعادلة اللبنانية ومدى قدرتها على صون السلم الأهلي وبناء مقاربة تكفل تجنيب الدولة والمجتمع دفع مزيد من التكاليف الباهظة بالنيابة عن الآخرين!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق