إبراهيم غرايبة

تركيا القادمة ودورها الإقليمي

تم نشره في الأربعاء 16 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

هل ستقوم تركيا بدور إقليمي في الشرق الأوسط بالشراكة مع أوروبا يوازي التمدد الإيراني، وهل يعود التنافس الإقليمي بين إيران وتركيا والذي تكرر مرات كثيرة على مدى التاريخ؟

تبدو تركيا اليوم مؤهلة أكثر من قبل للقيام بدور إقليمي وللتحرك في المنطقة، فبعد سلسلة من الأزمات الداخلية الطاحنة التي هددتها وأخلت بدورها في المنطقة والعالم، وإن بقيت دولة قائدة ومهمة بدأت في السنوات الأخيرة في تسوية مجموعة كبرى من الأزمات مثل المسألة الكردية والأقليات وصراع الأحزاب والقوى السياسية والصراع بين الإسلاميين والعلمانيين ودور القوات المسلحة في السياسة والحكم.

وقد أخرجت الانتخابات الأخيرة تركيا للمرة الأولى منذ حوالي ربع قرن من التيه السياسي الذي لم يمكن حزبا سياسيا أو ائتلافا من تشيل الحكومات وقيادة الدولة، وبدأ حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا معتمدا على الأغلبية المريحة التي استطاع الحصول عليها في تسوية شاملة للقضايا الكبرى العالقة، والدخول في الشراكة الأوروبية والشراكة الشرق أوسطية والشراكة مع الدول والشعوب التركية في أوروبا وآسيا الوسطى، وحققت تركيا مستويات متقدمة من التنمية الاقتصادية أوقفت الأزمات الخانقة التي هددت الحكومات والمجتمعات.

ظلت تركيا وإيران كإقليمين جغرافيين يتنافسان على مدى التاريخ، إيران وما تمثله من ثقل آسيوي يتطلع إلى الغرب، وتركيا ووراءها المنطقة العربية والأوروبية التي ظلت تتصدى لهذا الزحف أو تتطلع في بعض مراحل القوة إلى الامتداد شرقا، وهذه القاعدة في التنافس عبر عنها الامتداد الفارسي نحو الشرق حتى اليونان، ثم الموجة اليونانية شرقا والتي اجتاحت المنطقة وقضت على الدولة الفارسية، ثم استعادت المنطقة توازنا فارسيا بيزنطيا استمر مئات السنين لتحل محله الدولة الإسلامية التي انقسمت أيضا بعد مئات السنين إلى جناحين، شرقي مرة بقيادة المغول والتتار(هولاكو ثم تيمورلنك) ثم بقيادة الصفويين(وهم أسرة تركية سنية حكمت إيران ثم اعتنقت المذهب الشيعي) وغربي بقيادة المماليك ثم تركيا، فالتنافس أساسا جغرافي وإقليمي استخدمت فيه المذاهب والأفكار والثقافات، ولم يكن تعبيرا عنها كما يبدو لبعض الدارسين والراغبين في الصراع الحضاري والمذهبي والثقافي، وربما كان الحذر والخوف من الزحف الإيراني غربا هو الذي دفع ببريطانيا إلى تشكيل عراق موحد من الولايات العثمانية الثلاث: الموصل وبغداد والبصرة.

وقد غلب على العلاقة العربية التركية الاندماج الثقافي والسياسي، وفي هذه سيكون العرب إن أرادوا عامل توحيد وتوازن يحول دون الصراع التركي الإيراني ويمنع استقطاب العالم الآسيوي أوروبي ليتحول إلى شراكة وتعاون إقليمي. 

وقد بدأت تركيا تتخلى عن تبعيتها للولايات المتحدة، وهذا ما كان يخيف أوروبا ويراها حصان طروادة الأميركي الذي سيقتحم مجلس الوحدة والشراكة الأوروبية، وتنشئ سياسات مستقلة قائمة على الشراكة والتعاون، فلم تشارك في الحرب الأميركية على العراق، وأجرت مراجعة مهمة لعلاقتها مع إسرائيل، وضاعفت علاقاتها التجارية والاقتصادية مع إيران والعرب.

ولم يعد دور "العسكر" في تركيا مهيمناً، كما كان الوضع من قبل؛ وتشهد تركيا اليوم صعودا في دور المجتمعات وتأثير الإسلام على الحياة السياسية والاجتماعية والعامة، وتستعد تركيا للانضمام إلى مجلس الشراكة والتعاون الأوروبي، وهذا سيجلعها دولة أوروبية وشرق أوسطية في الوقت نفسه، وهو ما يؤهلها لدور قيادي ومؤثر في المنطقة الأورومتوسطية، ولذلك فإنها مرشحة بقوة لقيادة القوة الدولية في لبنان.

وتبدو العلاقات الإسرائيلية التركية في نظر البعض مشكلة في العلاقات العربية التركية وإن كان البعض يعتقد أنها نقطة إيجابية وستكون عامل استقرار وتخفيف للتوتر، ولكن كثيرا من الأسباب والحوافز التي كانت تشجع تركيا على الاندفاع باتجاه إسرائيل لم تعد موجودة مثل الأزمات مع سورية والعراق، فتركيا اليوم في وضع أكثر استقلالية وأقل شعورا بالتهديد، وترتبط علاقتها بإسرائيل بالحصول على التقنية العسكرية وفي سياق المشاركة الأوروبية.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق