سياسة وسياسيون

تم نشره في الأربعاء 16 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

السياسي لا يصنع من حدث صغير ازمة كبرى ويغرق فيها ويعقدها في وجهه ولا يجد لنفسه حلولا، والسياسي لا يواجه المشكلات بالصراخ والشتائم والهتافات، والسياسي يعلم ان الازمات امر طارئ وحدث عابر يفترض الخروج منها بأقل الخسائر واكبر المكاسب، ولا يتعامل معها على انها الواقع والمستقبل.

البعض يعتقد ان السياسي هو من يتحدث بالقضايا السياسية او يصبح مسؤولا في حكومة او حزب او عمل عام. لكن السياسي هو من يدير اي موقع بعقلية سياسية ووفق منطق المصالح والمبادئ، ويجنب من هم تحت ولايته خسائر وظروفا صعبة لا ضرورة لهما. فالوزير الذي يعين امينا عاما من منطقته أو عشيرته ليس سياسيا، ومن يفصل عشرات الموظفين يحمل الدولة عبئا سياسيا. فكيف اذا واجهت البلاد ازمة او مشكلة؛ فماذا سيقدم من رأي او نصيحة او وجهة نظر في مجلس الوزراء؟. لهذا نجد ازمات ومشكلات يمر بها الاردن، وكثير من الوزراء لا يملكون معلومات او تصورات عن الحلول، وكأن احدهم رئيس قسم وليس عضواً في الحكومة صاحبة الولاية العامة، بينما نجد امثلة في اسرائيل او لبنان لوزراء فنييّن لكنهم يقدمون تصريحات سياسية ومواقف هامة.

في بعض الاحزاب والقوى البعض يعتبر مرور سنوات طويلة عليه دليل خبرة سياسية، واحيانا تأتي الكولسات والمؤامرات والشللية ببعض القيادات ويصدق هؤلاء انهم سياسيون، ويعتقدون ان العمل السياسي تصريحات او بيانات او عقد اجتماعات.

وفي "الشلل السياسية" يقال ان هؤلاء مجموعة فلان. لكنها بالضرورة "قعدة"؛ يكون الحديث فيها عن ربطات العنق والسيجار والمناسف والسفر والنكت ومناقشة بعض ما يكتب في الصحف او ما تقوله التلفزيونات. والبعض يعتقد أن الزعامة السياسية بأن يختبئ خلف الابواب ومكاتب السكرتاريا، وأن لا يرى احدا الا بمواعيد مؤجلة، والا يتحدث، بحثا عن هيبة شكلية، وحتى يقال ان فلاناً سياسي رزين مخضرم، لكن العبرة بالمضمون.

وكما يقال "الراحمون يرحمهم الله" فإنّ السياسيين ايضا لا تغيب سماتهم، فلديهم الرأي والتحرك الجاد حتى وان كان بعيدا عن الإعلام، يفككون الازمات ويجترحون الحلول والخيارات. ولان المواقع لا تصنع زعماء ولا سياسيين فإننا نرى البعض رسميين وشعبيين يعتقدون ان الصوت العالي وتضخيم المشكلات وسيلة لتحقيق انجاز او بحث عن شعبية عند صاحب القرار او الناس. لهذا نجد بعض ازماتنا تتضخم وتتعاظم، حتى يخيل لنا انها ستجلب كوارث سياسية ووطنية، وبعد حين يجري حلها، لنكتشف ان مفتاح الحل بسيط، ووراء هذه الخسائر قلة خبرة او استغراق البحث عن مكاسب او فهم خاص للعمل السياسي، لا يمت الى السياسة بشيء.

وفي بلادنا مشكلة يعاني منها السياسيون المحسوبون على الدولة، وهي عدم قدرتهم على او ربما رغبتهم في إبداء آراء على صيغة مبادرات او اقتراحات او خطوات. فيأتي العتاب، او ما هو اكبر من هذا، لمن يقول مثلا ان الاجندة فكرة غير مناسبة، او ان هذا اللقاء غير مثمر. وكأن مواقعهم التي شغلوها تفرض عليهم ان لا يقولوا رأيا وبخاصة في بعض القضايا.

ونحن نتحدث عن السياسيين يبدو أمامنا المشهد اللبناني، حيث محترفو العمل السياسي، يختلفون الى حد التناقض لكنهم يعبرون عن هذا بلغة سياسية. فما بين جنبلاط وحسن نصر الله مسافة شاسعة في الموقف من إيران وسورية وتوقيت عملية أسر الجنود، لكنها مسافة قصيرة جدا في الموقف من العدوان، وحتى التناقضات يعبرون عنها بلغة سياسية تجعلك تشعر انك في ندوة وليست حربا وصراعا. فكلٌ يقدم رأيه وموقفه بمنطق واضح لكنهم لا يستعملون لغة الخيانة او الشتم، ومع كل التناقضات لديهم القدرة على الجلوس معا للتفاوض او الحوار، لانهم يعلمون ان العمل السياسي ليس فرزا بين الجنة والنار، لا يظهر احدهم الا والعلم اللبناني خلفه، يتحالفون مع دول وقوى ومعسكرات لكنهم يتحدثون بلغة لبنانية. زعماء حتى لو رفضنا مواقف بعضهم، محترفون لم تصنعهم الصدفة وليسوا من خريجي القفز من "قاع السلة الى آذانها"، يعيشون في بيئات سياسية يتحدثون بطلاقة لانهم محترفون، بلا اوراق، لكنهم يجهزون انفسهم جيدا، تماما مثل بعض السياسيين في بلادنا يأتي احدهم الى ندوة سياسية او حديث تلفزيوني فلا يسأل الا عن الموعد، اما الموضوع فليس ضروريا؛ لانه يعتقد انه يعلم كل شيء، لهذا تجد احاديث البعض لا جديد فيها ولا موقف ولا معلومة.

بكلمة: السياسة علم واحتراف.

التعليق