د.باسم الطويسي

الأفعى والسلم

تم نشره في الجمعة 11 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

تركت الولايات المتحدة القوى السياسية اللبنانية المتحالفة معها لمصيرها في مواجهة تداعيات العدوانية الإسرائيلية ذات الأجندة المفتوحة، وتركتها لمصير آخر داخل تداعيات طاحونة المعترك اللبناني من جهة أخرى. ورغم الحكمة التي أبداها رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة في إدارة التوافق الوطني اللبناني، وما أظهره من قدرة على إبقاء تماسك الوضع اللبناني الداخلي لهذا الوقت، وهو ما يحسب في الأصل للمجتمع السياسي اللبناني الذي لم يخذل الحكومة ولا المقاومة، إلا ان الحليف الأميركي الذي أراد تغيير الوقائع على الأرض بالقوة كشف مرة واحدة العنوان الوحيد لتحالفاته وبيته الشرق أوسطي الوحيد الذي يضع كل بيضه فيه؛ وهذه الحقيقة تؤكد ان إسرائيل أولا وأخيرا للمرة الالف، ولا تقبل القسمة على احد.

يبدو رئيس الحكومة اللبنانية في الأيام الأخيرة وحيدا ومكسورا من الداخل رغم ان احدى المفاجآت الحقيقية في الوضع اللبناني تتمثل فيما أبداه من أداء سياسي طوال أربعة أسابيع عاصفة في تاريخ لبنان والشرق الأوسط بأكمله، فقد فاق أداء هذا الرجل كل التوقعات، واثبت انه رجل دولة شجاع يملك القدرة على المشي وحيدا على حواف الحرائق المشتعلة دون ان يسقط في النار ويترك بلاده المنكوبة بالعدوان لمصير غامض آخر تتقاسم فيه الطوائف السياسية حرائق أخرى تحت ضربات العدوان الإسرائيلي وخدمة لأهداف الأجندة الاميركية التي باتت واضحة، رغم انه لم يكن ينقصها في السابق الوضوح.

عطلت الولايات المتحدة المشروع السياسي للحل الذي قدمته الحكومة اللبنانية، ونال موافقة (17) دولة ذات صلة بعيدة أو قريبة بالصراع في مؤتمر روما، ما ادخل الحكومة اللبنانية، القاصرة عمليا عن المساهمة في تغيير الوقائع على الأرض، في حرج وخداع سياسي لا وقت له، وازدادت عدائية حلفاء الإصلاح والتغيير حينما كشفت الأفعى عن جلدها الحقيقي، وعملت الولايات المتحدة على إطالة أمد العمليات العسكرية وأخذت تخترع الحجج والأسباب وتطيل أمد المشاورات في مجلس الأمن وغيره في الوقت الذي تهدي أطفال لبنان المزيد من القنابل الذكية وتمنح إسرائيل المزيد من الوقت لتحقيق أهدافها من العمليات العسكرية المتعثرة في الجنوب اللبناني، واخترعت منظومة من المفاهيم الجديدة التي وضعت الحكومة اللبنانية مرة أخرى في موقع لا تحسد عليه وهي تحاول ان تستوعب قصة وقف العمليات العدائية ثم وقف إطلاق النار.

رئيس الحكومة اللبنانية لم يصغ لكلام الرئيس الجميل الذي قال له "ان أميركا تكذب عليكم؛ لقد تعاهدت معها قبلكم  ثلاث مرات، ولم توف بواحدة منها"، وبات من الواضح ان رئيس الحكومة اللبنانية والأكثرية البرلمانية يدركون حجم الفجوة الكبيرة بين أجندهم الإصلاحية وبين أجندة الحرب العدوانية التي تديرها الولايات المتحدة باسم تغيير الوقائع على الأرض ضمن استحقاقات مصالحها الإقليمية. نعم هكذا تبدو خيبة إرادة الإصلاح التي باتت على يقين بأنه لا وجود لإصلاح يبنى على جثث مئات الأطفال والأولاد والبنات والناس العزل، وأكثر من نصف مليون طالب وطالبة بدون مدارس بعد أيام قليلة، وسط بلاد مقطعة الأوصال والشرايين.

تحرير السيادة الوطنية والإصلاح وبناء الدولة المعاصرة جميعها أهداف عظيمة ونبيلة تحتاج إلى بناء قدرات ذاتية، والى نضال وتضحيات، ولكن على ان تعرف النخب الإصلاحية الوطنية من سيدفع ثمن هذه التضحيات ولمن سيذهب هذا الثمن؟ لقد أخذت قوى الهيمنة الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة ممارسة نمط أخر من لعبة السلم والأفعى؛ فلطالما شاهد العالم مؤخرا كيف تركب الولايات المتحدة سلم قوى الإصلاح الهشة وتصعد لتصل من خلاله إلى ما تريد من أهداف ومصالح، ثم تلقي بهذا السلم بعرض الطريق وتوزع ما في بطنها من سموم على كل من يحاول ان يقترب، وما يحدث وجه آخر للعبة التقليدية التي مارستها مع نظم استبدادية تحالفت معها ثم تخلصت منها بابشع الصور بعدما استنفدت الأدوار المطلوبة منها.

[email protected]

التعليق