عن دعم اليسار الأوروبي للبنان

تم نشره في الثلاثاء 8 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

يدعمنا اليسار الأوروبي ضد إسرائيل وجرائمها. شكراً، هذا ممتاز واللبنانيون بحاجة الى كل دعم في مواجهة الوحش التقنيّ المجاور الذي يحتل الفضاء ويحرق الأرض. لكن اليسار، ما دام تقدمياً بتعريفه، يُستحسن به أن يعرف خصوصية وضع بعينه فلا يكتفي بالعموميات التي تصدر عن كراهيته للسياسة الأميركية.

والسياسة الأميركية تستحق الكثير من الكراهية، لكن محبة لبنان يُفترض أن تفوق كراهية السياسة الأميركية، كما أن تلك الكراهية لا تغني عن قراءة التجربة اللبنانية في تاريخها المحدّد. فالمسألة سابقة كثيراً على جورج بوش وإيهود أولمرت، بل سابقة أيضاً على"حزب اللبناني". ذاك أنه أمكن، بين 1948، تاريخ نشأة دولة اسرائيل، و1967، منع الحرب على الحدود اللبنانية-الاسرائيلية من دون توقيع معاهدة سلام مع الدولة العبرية.

لكن حين هُزمت سوريّة في"حرب الأيام الستة"، واختارت أن تتجنب القتال لاسترجاع هضبة الجولان، اختارت استخدام لبنان للغرض هذا. وقد تلاعبت بنجاح على تناقضات دينية ومذهبية كثيرة، فضلاً عن توظيف الألم الفلسطينيّ الذي لم تفعل الحكومات اللبنانية شيئاً يُذكر للتخفيف منه. وهذه جميعاً تناقضات من ذاك الصنف الذي يزخر به "العالم الثالث" وبلدانه الحديثة الولادة. وكان الشكل الأمثل لذاك الاستخدام تسليح الناقمين اللبنانيين والفلسطينيين ونقل المقاتلين الفلسطينيين من الأردن الى لبنان بعد مواجهات 1970 الأردنية- الفلسطينية. وفي هذه الغضون كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر قد فرض على الحكومة اللبنانية، متحالفاً مع سورية ومستفيداً أيضاً من التناقضات اللبنانية الداخلية، اتفاق القاهرة للعام 1969. وقد قضى الاتفاق المذكور بوضع المناطق الحدودية اللبنانية-الاسرائيلية تحت سيطرة المنظمات الفلسطينية المسلحة. بهذا تعرضت الدولة اللبنانية ومبدأ سيادتها على كامل التراب الوطني للانكسار الأول. وبالمعنى نفسه، كان العقاب على قصور الدولة حيال بعض اللبنانيين كما حيال الفلسطينيين قاسياً جداً يدمّر كل شيء، أو يمهّد لتدميره، بدل الضغط لإصلاحه.

وراحت الأمور تتدهور على ما نعرف جميعاً بحيث اندلعت "حرب السنتين" (1975-1977) ثم هيمن الجيش السوري على بيروت، وهيمن حلفاؤه في المنظمات الفلسطينية واللبنانية على المناطق الحدودية في الجنوب والبقاع الى أن كان الغزو الاسرائيلي للبنان في 1982.

وطبيعيٌ أن يستنكر التقدمي غزواً كالذي حصل وأدى الى إذلال السكان وتدمير الاقتصاد الوطني وإضعاف نسيج العلاقات الطائفية. لكن من الطبيعي، بالدرجة نفسها، أن يُستنكر انهيار لبنان الذي صنعته أنظمة عسكرية شبه توتاليتارية في جواره قبل أن تصنعه إسرائيل.

لماذا؟

لأن لبنان، أولاً، كان يبني تجربة تعايش مقبول نسبياً بين 17 طائفة دينية. صحيح ان الطائفة المارونية كانت لها اليد العليا في السلطة لأسباب يتصل بعضها بتاريخ البلد والإيديولوجيات الفرعية لطوائفه، كما يتصل بعضها بالتقدم النسبي للمناطق التي أحرزتها بعض المناطق التي يسكنها الموارنة والمسيحيون تبعاً لعلاقتها المبكرة بأوروبا، لكن الصحيح أيضاً أن باقي الطوائف، من مسلمة وغير مسلمة، كانت تحظى بقوّة فيتو فعليّة في كبائر الأمور كما في صغائرها.

ولأن لبنان، ثانياً، كان يسير بخطى، تتباطأ أحياناً وتتسارع أحياناً أخرى، نحو تجاوز التفاوت بين طوائفه ومناطقه. فقد امتلك أعرض طبقة وسطى في المنطقة وتمتع باقتصاد ديناميكي سمح لعمليات التنمية أن تتقدم نحو المناطق الأبعد عن بيروت.

وثالثاً، لأن لبنان عاش تجربة برلمانية لا ثاني لها، رغم نواقصها، في العالم العربي، رافقها توسّع لا مثيل له في الحريات الإعلامية وعدد الصحف والمجلات المنشورة، فضلا عن إصدار وترجمة الكتب على نحو جعل لبنان مطبعة العرب. والى ذلك، عرف البلد حريات نقابية وحزبية أدت، عشية اندلاع حرب السنتين، الى الترخيص للحزب الشيوعي ومعظم حركات اليسار. وفي 1972، السنة التي شهدت آخر انتخابات قبل الحرب، خاض الأمين العام للحزب الشيوعي الانتخابات النيابية، كما دخل الى البرلمان نائب عن حزب البعث ونائب عن الناصريين(والاثنان يدعوان الى وحدة عربية تُذيب لبنان فيها). أما وضع المرأة فكان، بلا قياس، أفضل مما هو عليه في معظم العالم العربي.

وكان حريّاً بالتقدميين أن يأسفوا لانهيار نموذج كهذا في منطقة الشرق الأوسط وأن يغضبوا لذلك. لكنهم، بدلاً من هذا، آثروا تأييد الحرب والوقوف الى جانب طوائف"تقدمية" ضد طوائف "رجعية". كذلك لم يأبهوا لصعود المشاعر الطائفية والتجمعية الصغرى تحت وطأة العنف الأهلي بدل إقامة مجتمع سياسي ومجتمع مدني حديثين. وغني عن القول ان تدميراً كهذا للبنان لم يفد الفلسطينيين وقضيتهم شيئاً بل هدد، ولا زال يهدد، بتحويل لبنان فلسطين أخرى.

واستمرت الحال على ما هي عليه حين حلت الثورة الإيرانية محل الاتحاد السوفياتي في مقاومة النفوذ الأميركي-الاسرائيلي. وأيضاً لم يعبأ التقدميون بالطبيعة الرجعية للخمينية في عدائها للمرأة والإصلاح الزراعي وكل ما يمكن أن يُسمى تقدماً. قد التقت الخمينية هذه مع الاجتياح الاسرائيلي لتوليد "حزب الله" الذي ارتبطت سنواته الأولى بالدعوة لإنشاء "جمهورية إسلامية" (شيعية حكماً) في بلد نشأ أصلاً ليكون ملتقى للأقليات الدينية على اختلافها وتعددها.

فوق هذا لم يعبأ التقدميون بعدد من الوقائع التي أحاطت بحزب الله. ففي بدايته رشّ أفراد منه الأسيد على أرجل فتيات في البقاع آثرن ألاّ يلبسن ما أراد الحزب إلباسهن إياه. وقتل الحزب عدداً من الشيوعيين، السياسيين منهم والمثقفين، كي يحتكر قرار المقاومة لاسرائيل ويجيّرها لسورية وإيران. وفي هذه الغضون شارك في تهجير المسيحيين من الضاحية الجنوبية. وقبل وبعد حافظ على ازدواجه المسلح مع الدولة مانعاً إياها من أن تتشكّل، وصولاً بنا الى الكارثة التي نحن فيها اليوم.

فأين وجه التقدم في هذا كله؟

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق