قوات الناتو في لبنان

تم نشره في السبت 5 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

كانت المناقشات الدائرة حالياً فيما يتصل بإرسال قوة دولية إلى جنوب لبنان تركز بصورة شبه كاملة على اتخاذ القرار بشأن الدول أو المنظمات - حلف شمال الأطلنطي، أو الاتحاد الأوروبي، أو الأمم المتحدة- التي ينبغي أن تشكل هذه القوات. مما لا شك فيه أنها قضية على جانب كبير من الأهمية، لكن القضية الحقيقية تتلخص في التغييرات التي يتعين على إسرائيل أن تتعهد بها في مقابل وضع تلك القوات في مكانها وتحملها للمخاطر والمجازفات المترتبة على هذه المهمة.

والأمر ببساطة أن أي قوة دولية لن تحمي إسرائيل من صورايخ حزب الله بينما ما تزال إسرائيل مصرة على الاستمرار في استراتيجيتها الحالية. ذلك أننا نستطيع أن نقول إن التصعيد العسكري الأخير في المنطقة كان راجعاً إلى هذه الاستراتيجية ولو جزئياً. وإذا ما سمحت أي قوة دولية لحكومة إيهود أولمرت بمواصلة تنفيذ مخططاتها، فإن الدول التي تشكل القوات الدولية لن يُـنْـظَر إليها باعتبارها تصادق على سياسة إسرائيل فحسب، بل إنها ستنجر أيضاً إلى إخفاقات إسرائيل.

إن انتقاد استراتيجية إسرائيل والنقائص العديدة التي تعيبها لا يعني التغاضي عن تصرفات حماس وحزب الله أو إنكار حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. بل إن الأمر يتلخص في الإشارة إلى ما ينبغي أن يكون واضحاً للجميع: ألا وهو أن الجهود التي تبذلها إسرائيل سعياً إلى إيجاد حل أحادي الجانب لمشاكلها الأمنية - سواء بالاحتلال، أو الانسحاب، أو الانفصال- قد منيت جميعها بالفشل.

فاحتلال الأرض من دون الالتزام بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة لم يسفر إلا عن الانتفاضة وإيجاد ما يسمى بـ"المفجرين". والانسحاب الأحادي الجانب من غزة من دون تأسيس سلطة محلية تعمل على الحفاظ على النظام أدى في النهاية إلى تجدد التدخلات والاشتباكات. أما "السياج الأمني" الذي كان من المفترض أن يسمح لإسرائيل بالانفصال من جانب واحد، فقد ينجح في صد المفجرين، لكنه لن يمنع الصواريخ الحديثة التي يستخدمها حزب الله حالياً.

والعجيب أن الدرس الوحيد الذي خرجت به إسرائيل حتى الآن من استراتيجياتها الفاشلة يتلخص في إصرارها على تمديد وتكثيف استخدامها للقوة أحادية الجانب: إعادة احتلال غزة، وتدمير لبنان، وتهديد سورية، وضمنياً إيران، التي تلمح الحكومة الإسرائيلية إلى اضطلاعها بدور في إشعال فتيل الأزمة الحالية.

الأمر لا يتطلب قدراً كبيراً من نفاذ البصيرة لكي ندرك أن المزيد من القوة لن يفضي إلى المزيد من الأمن بالنسبة لإسرائيل. والحقيقة أن سياسة ضرب المدنيين بهدف إخضاع زعاماتهم، وهي السياسة التي تذكرنا بحيل "الإرهابيين"، لن تؤدي إلا إلى دعم موقف المتطرفين وتعزيز التأييد الشعبي لهم. كما أن هذه السياسة لن تحجب الحقيقة التي تؤكد أن خيارات إسرائيل الأحادية الجانب قد نفدت.

لكن إسرائيل حتى هذه اللحظة لا ترغب في تقبل هذه الحقيقة. بل إن زعماءها على النقيض من ذلك يأملون أن يؤدي وجود قوة دولية نشطة في جنوب لبنان إلى توفير الحماية لشمال إسرائيل وتمكينهم من التعامل على نحو أحادي الجانب مع غزة والضفة الغربية، وتحميل المجتمع الدولي في الوقت ذاته المسؤولية عن فشل سياسة إسرائيل الأحادية الجانب.

مما لا شك فيه أن الانضمام إلى قوة دولية تحت هذه الشروط لن يكون بالتصرف المسؤول. فلسوف تبدو الدول التي تساهم بقواتها وكأنها تنحاز على نحو لا لبس فيه إلى إسرائيل، الأمر الذي من شأنه أن يجعلها تفقد كل مصداقيتها لدى خصوم إسرائيل. كما أن هذا يعني مجازفة تلك الدول بالانجرار إلى عمليات إسرائيلية متجددة ضد حزب الله وأنصاره. والأهم من ذلك أن هذه الدول بانضمامها إلى مثل هذه القوة تحت هذه الشروط يعني إهدار ما قد يشكل الفرصة الأخيرة لإقامة سلام متبادل.

من هذا المنطلق، فإن الشرط المسبق لتشكيل قوة دولية أو الانضمام إليها في جنوب لبنان لابد وأن يتلخص في تجديد إسرائيل لالتزامها بخارطة الطريق والتفاوض مع الفلسطينيين بهدف إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة والبقاء. وبهذا الهدف في ذهنها، يتعين على إسرائيل أن تدخل في محادثات مع ممثلي الفلسطينيين المنتخبين ديمقراطياً. لا أحد يستطيع أن ينكر أن مثل هذه المحادثات سوف تكون في غاية الصعوبة، وقد لا يكتب لها النجاح. لكن هذه الحجة لم تعد مقبولة لرفض الدبلوماسية بعد أن أثبتت السياسية الإسرائيلية أحادية الجانب مرة أخرى أنها حليف استراتيجي أعمى.

إن إسرائيل الراغبة بجدية في تأمين نفسها عن طريق الاتفاق، وليس إسرائيل التي تريد فرض أمنها على جيرانها بالقوة، تستطيع أن تشارك في الجهود الدولية الرامية إلى جلب الاستقرار إلى لبنان وغيره من البلدان المجاورة. بطبيعة الحال هناك بعض الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي ستعارض جعل مثل هذا الانقلاب في السياسة الإسرائيلية شرطاً لتشكيل قوة دولية. فضلاً عن ذلك فإن التوصل إلى إجماع في منظمة حلف شمال الأطلنطي، وفي الأمم المتحدة، قد لا يكون متاحاً، وحتى إذا ما توفر ذلك الإجماع فقد ترفض إسرائيل ببساطة أن تتقيد به.

والحقيقة أن أياً من الاحتمالين من شأنه أن يشكل سبباً كافياً للابتعاد عن المشروع برمته. كما وأن إرسال قوة دولية إلى جنوب لبنان لا يشكل في حد ذاته أية قيمة إلا باعتباره استثماراً في السلام الإقليمي، وليس باعتباره ملحقاً للاستراتيجية الحالية التي تتبناها إسرائيل.

كريستوف برترام المدير السابق للمعهد الألماني للشئون الدولية والأمن (SWP).

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق