جميل النمري

ماذا أبقت أميركا لصوت الاعتدال؟!

تم نشره في السبت 5 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

الاردن دولة صديقة للولايات المتحدة، لكنه يعاني من سياساتها الحالية مع كل دول المنطقة، حيث تتضاءل حدّ التلاشي الهوامش امام صوت الاعتدال.

وحديث جلالة الملك، أول من أمس، لصحيفتي الغد والرأي ليس للاستهلاك المحلي، بل هو يتفجّر ضيقا مع كل جملة وسطر بالسياسة الأميركية والإسرائيلية. وهو يوجه لأميركا رسالة علنية واضحة وحاسمة، اذا لم تقرأها وتفهمها فلمن تقرأ في المنطقة وإلى من تستمع؟! ثم في نهاية المطاف هي تحتاج شركاء، واذا كان اقرب الاصدقاء قد ضاق ذرعا بها، فكيف يمكن التحدث فوق ذلك عن شرق اوسط جديد او عن اي سياسة من دون شركاء محليين؟!

قد يكون جلالة الملك كرر على مسامع المسؤولين الأميركيين، بطريقة او اخرى، رأيه مرّات ومرّات، لكن الرسالة التي تتضمنها مقابلة أول من أمس ربما تكون غير مسبوقة في لهجتها العلنية، وهي تكتسب اهميّة خاصّة بمناسبة الحرب "الهمجية" على لبنان، كما وصفها جلالة الملك، لما يترتب على الموقف الاميركي من نتائج وآثار تعيد التذكير بالنتائج الكارثية لتجاهل الولايات المتحدة نصائح الأصدقاء في كل واحد من القرارات التي قادت الى الوضع الذي نراه في العراق.

الهدم يحتاج الى القوّة فقط، والولايات المتحدّة تملك منها ما يكفي لهدم اي بلد؛ لكن البناء يحتاج الى ذكاء، ويعوز هذه الإدارة الكثير منه لأخذ القرارات الصائبة، أو دفع حلفائها لاتخاذها.

لنأخذ مثالا من المواجهة الدائرة الآن في لبنان. فقبل عملية حزب الله كان ايجاد تسوية لبضعة اسرى لبنانيين ولمزارع شبعا سينهي مبررات وجود جيش مسلح لحزب الله، ويحولّه حتما الى مجرد حزب سياسي في المعادلة الداخلية اللبنانية، ويقوّي مسيرة الاستقرار والاستقلال اللبنانيين. وطوال الأيام الفائتة، فان هذا الحلّ كان ما يزال صالحا وبديلا للحملة الوحشية إذ تركب اسرائيل رأسها وتريد "نصرا" ليس مفهوما ما الذي سيحققه بالضبط غير ارضاء الغرور والغطرسة الإسرائيلية! وكما يقول جلالة الملك، لو دمّروا حزب الله فهو سيبقى بطلا في عيون الجماهير، وسيظهر حزب الله آخر، ربما في الاردن او سورية او مصر او العراق. فطالما هنالك عدوان واحتلال سيكون هناك مقاومة، وامتداد شعبي ودعم لهذه المقاومة.

اذا ما نظرنا الى المشهد الاقليمي اليوم فان كل شيء يسير الى الاسوأ؛ المزيد من عدم الاستقرار والتفسخ والعنف والدمار، وضياع الموارد! وحتى بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدّة، فإن خسائرهما المادّية والبشرية ايضا تفوق كثيرا المكاسب المنشودة.

السياسة الاستعلائية التي تريد دائما سحق الخصم تقوم على فكرة تقول ان المقاومة يجب ان لا تحصل على مكاسب تعزز بها، لكن اذ يقترن ذلك بتنكر لتسويات وحلول للنزاع، فإن النتيجة عدميّة وعبثية. وقد قادت هذه السياسة الى حشر قوى الاعتدال والعقلانية في المنطقة في اضيق الزوايا بصورة لا تحتمل.

حديث جلالة الملك أول من امس يعكس غضبا عميقا باتت كل الأنظمة في المنطقة تشعر به حيال السياسات الأميركية؛ فهي لا تفعل حرفيا سوى زيادة شعبية القوى الراديكالية، واحراج الأنظمة وإضعافها، وإضعاف قوى الاعتدال في المنطقة. واذا كانت هذه الإدارة لا تريد أن تسمع وتفهم، فغيرها في اميركا والعالم يسمع ويفهم.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق