جميل النمري

كلما تأخر أكثر تعقّد أكثر

تم نشره في الخميس 3 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

لا يبدو أن اولمرت يسير بخطّة متدحرجة بقدر ما انه يتدحرج من دون خطّة. فالتطورات في الميدان تصنع افكارا ومقترحات جديدة لهدف لم يكن بالأساس قابلا للقياس، وقد انعكس ذلك في التصريحات الاسرائيلية الغريبة وآخرها اعلان اولمرت الاحتفالي بأن المعركة التي تخوضها اسرائيل ستقود الى الشرق الأوسط الجديد. وهذا يفترض تحليلا لمسار من التطورات الاقليمية ينتهي الى ما في ذهن اولمرت، وقبله رايس التي استعملت تعابير قريبة. وهو في الحقيقة فكرة مضطربة غير قابلة للتحديد ناهيك عن التحقيق.

إنهاء التهديد الذي يمثله حزب الله، وهو الهدف الإسرائيلي المعلن للحرب، يترجم ببسط سيادة الدولة اللبنانية على الجنوب، وهو أمرٌ يحوز على اجماع لبناني، وتكرر في اجتماع القيادات الدينية أول من أمس. وبسط سيادة الدولة يتحقق باتفاق سياسي يتضمن عناصر اخرى يستحيل التهرب منها مثل انهاء ملف الاسرى بالتبادل وانهاء ملف مزارع شبعا بترسيم الحدود. لكن هذا السيناريو لا يصنع نصرا اسرائيليا، وقد تمّ تجاهله، لكن اطالة الحرب جعلها اسيرة حجمها وكلفتها والآثار المعنوية المترتبة على طريقة انهائها.

اتهام سورية وايران باستخدام لبنان كساحة مواجهة يقابله ويوازيه الحديث عن الشرق الأوسط الجديد في الخطاب الاسرائيلي والأميركي، فهذا ايضا يمثل اقحاما مقابلا يعقّد الموقف ويضاعف المأساة اللبنانية. وعلى الارض يريد الجانب الاسرائيلي تحقيق انجاز يلائم الاهداف الكبرى المضمرة، بعد ردّة الفعل الاولى الانتقامية الوحشية. لقد اتضح ان القتل والتدمير الذي لحق بلبنان لن يحقق اهدافا سياسية، فبدأ الحديث عن اجتياح بعمق كيلومترين، ثم 7 كيلومترت، والآن لم يعد هناك بدّ من التوسع  اكثر.. إلى حدود الليطاني!

هكذا تدحرج العدوان لأسابيع ثلاثة لينتهي بإسرائيل الى ما كانت عليه دائما، الصيغة الخالدة لممارسة وجودها وسياستها؛ احتلال الأرض ثم العمل السياسي والدبلوماسي. لكن هذا يخلق مفارقة محرجة للغاية. ألم تكن هذه هي الأرض نفسها التي احتلتها وانسحبت منها كلّ مرّة ؟!

وهناك عامل جديد. فنوع الخصم اختلف، كانت المقاومة الفلسطينية تعمل على غير ارضها، ومع غير شعبها، وبفصائل متعددة تفتقر الى وحدة الإدارة والتنظيم والتأهيل المناسب، وكان الوصول الى الليطاني يحتاج الى يومين او ثلاثة على اكثر تقدير؛ فماذا عن التقدم الان، ومعارك شرسة تدور حول كل قرية على جانب الحدود؟

السقف الزمني المفترض لإسرائيل انتهى تقريبا، ويدور الحديث عن نهاية الاسبوع للبدء بتقديم مقترحات، وانعكس ذلك في عودة محمومة للقصف والمعارك العسكرية، لكن وبالنظر للهدف الجديد (الليطاني) تمهد التصريحات الاسرائيلية للحديث عن استمرار القتال لاسابيع.

تصاعد المجازر الاسرائيلية عدّل بالشروط اللبنانية باتجاه التشدد اكثر، وقف اطلاق للنار غير مشروط أولا، وقد لا يكون هذا هو الممكن عمليا، لكن في المشاريع المقترحة اصبح هناك بعد معنوي فائق الأهمية لكل تفصيل في المضمون والتراتب الزمني، ناهيك عن الفوارق الاساسية بين بعض المقترحات، وقد دخلت ايران على الخط بإعلان وزير خارجيتها من بيروت ان اي مشروع يجب ان يحظى بإجماع الفصائل اللبنانية، وهو ما يعني ضمنا دخولها كطرف يجب نيل موافقته (عبر حليفه المحلي)، ويصعب اتهام ايران باقحام نفسها بينما اشراكها مع سورية هو طرح من اطراف اوروبية، على اعتبار انهما طرفان مؤثران، يجب ضمان تعاونهما، وليس معقولا افتراض تعاون ايران وليس في الذهن ملفاتها في المواجهة، وكذا الحال مع سورية، ويمكن تخيّل مدى التعقيد الذي سيطرأ على مسار العملية الدبلوماسية لبلورة مقترحات للحلّ.

 

في الاثناء فإن الطرفين في الميدان هما اللذان يعملان بكل ما اوتيا من قوّة على رسم الصورة التي ستطلق عندها صفّارة النهاية، والمأساة ان صفّارة النهاية لن تتمكن من الانطلاق الا في اللحظة التي تعطي فيها اسرائيل شارة الموافقة. لكن من قال ان حزب الله سيوافق ايضا؟ ومن قال ان الأطراف اللبنانية الأخرى ستقبل اذا لم تكن الصيغة متوازنة؟ والمؤكد انها لن تكون كذلك؛ لسبب بسيط فالصيغة المتوازنة موجودة الآن، ويمكن ان تسمح بوقف فوري لإطلاق النار لو شاءت الولايات المتحدّة واسرائيل. 

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق