د.باسم الطويسي

الحرب تكشف أساطير السياسة

تم نشره في الخميس 3 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

تكشف الحرب العدوانية التي تشنها إسرائيل على لبنان، منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، كل يوم أساطير سياسية تم انتاجها وترويجها في العقود الأخيرة حول بنية الدولة العبرية وسلوكها، واستهلكها العرب أكثر من غيرهم في العالم. في المقابل كشفت هذه الحرب غرائز "ما قبل السياسة" التي تمارس من خلالها النخب السياسية العربية دورها في إدارة الصراعات؛ فما يمارس هذه الأيام على طرفي معادلة العقل والممانعة، على حد سواء اقل ما يوصف به انه خارج دائرة السياسة والاستراتيجيا معا؛ وكأننا بالفعل أمام هواة يمارسون غرائز ما قبل السياسة.

تفسر سيطرة هذه الغرائز حالة العجز التام عن الفعل السياسي وليس المواجهة، وتفسر الرغبة في الانكفاء على الذات والعزلة، حيث لا وجود حقيقيا للسياسة بقدر هيمنة غرائز أولية، أهمها الخوف والرعب والرغبة في البقاء والحفاظ على الذات؛ المشكلة ان هذه الحالة طبيعية إذا تحولت إلى غرائز سياسية. فالخوف على الذات حق طبيعي ومشروع تمارسه الشعوب والمجتمعات قبل النخب والطبقات الحاكمة؛ ولكن حينما تتحول الغرائز الأولية إلى غرائز سياسية حقيقية قادرة على شق طريق النجاة وسط النار بالمناورة والفعل، وليس بإغلاق الأبواب وانتظار سلالم النجاة تأتي بها الرياح والزوابع.

لا يريد العرب خوض الحروب، واشهروا بشأن ذلك خيارهم الذي وصفوه بالاستراتيجي، وبالفعل ورغم وجود جماعات رافضة تستطيع إسماع صوتها فإن الشعوب العربية قالت حينها آمين خلف قياداتها, لكن ان تصل الأحوال إلى عجز هذه النظم عن ممارسة السياسة، ولو في حدودها الدنيا التي تتفق مع غريزة البقاء السياسي، فهذا اخطر ما كشفت عنه تفاعلات العدوانية الإسرائيلية الجديدة.

في مقابل ما تكشفه هذه الحرب من غرائز أولية تتحكم فيما تبقى من دوائر السياسة العربية، فإن الحرب الراهنة تقدم الوجه الحقيقي للدولة العبرية، بعيدا عن الأقنعة التي لبستها في تكتيك التسوية خلال العقد الماضي، فالحادثة اللبنانية واستمرار الحوادث الفلسطينية المشابهة تضع الدولة العبرية بشكل مباشر وجها لوجه مع شعوب البلدان العربية المجاورة وان كان مرمى النار الإسرائيلية يصل إلى كل مكان. بمعنى آخر؛ ان هذه الأحداث نسفت فكرة التعايش؛ فمئات الآلاف من العائلات تختنق كل يوم من البكاء خلف الأبواب، وهي تستعرض مشاهد الموت في قانا ومروحين وصريفا وغزة وبيت حانون، وأصبح وجدانها محروقا وغير صالح لكي تزرع فيه فكرة التعايش من جديد.

 الأسطورة الثانية التي كشفت عنها هذه الحرب دون مواربة، هي كذبة الدولة العلمانية في إسرائيل فقد أثبتت هذه الحرب انها دولة دينية ذاهبة نحو أصولية معتمة؛ باختصار "رب الجنود" الإله التوراتي القديم يحارب حزب الله، فقد شاهد العالم الجنود الاسرائيلين، وهم يرتلون الصلوات عند فوهات المدافع، والضباط يرتدون شالات المتدينين البيضاء الطويلة على جبهات القتال فوق لباس الحرب وعتادها، انها أصولية اشد فتكا باتت تسيطر على الدولة والمؤسسة العسكرية أيضا. فإسرائيل التي أسسها العلمانيون أصبحت اليوم بيد الأصولية اليهودية، والأخطر من ذلك ان المؤسسة العسكرية تحولت إلى قلعة جديدة للأصولية الدينية اليهودية، حيث كانت هناك مؤشرات قبل هذه الحرب. ولعل البعض يدرك مغزى ان يتحول على سبيل المثال (باروخ غولدشتاين) - الذي اقتحم الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994 وقتل 29 فلسطينيا بينهم أطفال أثناء صلاة الفجر- إلى بطل وقديس، وبعد موته قام الجيش بتوفير حرس شرف لقبره.

ان تحليلا بسيطا لمضامين الخطابات السياسية التي ألقاها رئيس الوزراء الإسرائيلي منذ وقوفه إمام الكونجرس الأميركي قبل أسابيع إلى خطب الحرب الأخيرة، توضح حجم المعاني والرموز الدينية وقوتها، وآخرها قصة البطولة التي وصف من خلالها سلوك ضابط إسرائيلي افتدى مجموعته العسكرية، حينما واجه بجسده قنبلة وهو يردد صلاته "من أجلك إسرائيل". هذا الوضوح الإيديولوجي يعني انكشاف وجه الدولة العبرية الحقيقي ويفسر خلفيات إصرار هذا الجيش على استهداف المدنيين والأطفال والنساء.

 في عام 1990 صدر كتاب لحاخام من منظري القوميين المتدينين، يدعى الحاخام افنيري، عنوانه "ردود الانتفاضة" يقول فيه: " ان قتل الطفل غير اليهودي، الذي يلقي الحجارة على سيارة لليهود، أمر ضروري لإنقاذ حياة شخص يهودي، ان انزال عقوبة الموت بهؤلاء الأطفال ليست جائزة بل واجبة"، وعلى عكس التصور التقليدي فان القوميين المتدينين اخذوا بالانخراط في الجيش الإسرائيلي بشكل كبير.

الأسطورة السياسية الثالثة، التي تكشف عنها الحرب العدوانية الجديدة، تنال تركيبة المجتمع السياسي الإسرائيلي التي طالما راهنت عليها النخب السياسية العربية في انتظار اليسار الإسرائيلي؛ ذهب اليسار جاء اليسار منذ ثلاثة عقود وأكثر، فالحرب الراهنة التي يقودها (وزير الدفاع) اليساري أغلقت الأفق على المناورة التقليدية على الرغم من ان معظم حروب إسرائيل السابقة قادها اليساريون، لكن ما يحدث اليوم ان القوى التي تمثل الحمائم الداعية للسلام جميعها تخندقت وأصبحت أكثر تشدداً من اليمين، وهذه حقيقة تتضح في مواقف "حركة السلام الآن" وزعيمها "باريف اوبنهايمر" إلى زعم حزب (ميرتس) اليساري يوسي بيلين الذي دعا إلى ( بتر كل من يرفع يده على إسرائيل) وقبل ذلك دعاة السلام من أمثال بيريز وحاييم رامون وغيرهما.

هذه الحرب غير العادلة جمعت لأول مرة هذا القدر من الاتفاق بين النخب والمؤسسات السياسية الإسرائيلية والرأي العام الإسرائيلي، ولا نعلم هل هذا دليل على خطورة هذه الحرب، أم انها غريزة سياسية جديدة باتت تتمتع بها إسرائيل إيذانا بمرحلة قادمة باتت على الأبواب؟

الخلاصة الكبرى لهذه الحرب هي نعي السياسية العربية، بعد ان نعت الحروب السابقة الاستراتيجيات العسكرية وخيار المواجهة؛ أربعة أجيال من السياسة والسياسيين العرب فوق جغرافيا حرجة شهدت نهاية إمبراطوريات وميلاد نظم عالمية، ولم يتعلم الساسة أبجديات لعبة الأمم. ستنتهي الحرب بين حزب الله واسرائيل فاتحة الطريق لممر الأفيال؛ نعم ستتحول المنطقة إلى ممر أفيال ضخمة ستدهس كل من يقف في الطريق.

[email protected]

التعليق