ياسر أبو هلالة

من الجامعة الأردنية إلى الجامعة الأميركية

تم نشره في الثلاثاء 25 تموز / يوليو 2006. 02:00 صباحاً

عنوان كارثي على صدر صحيفة "الغد" وكأننا في لبنان المنكوب: " وقف توريد الأدوية لمستشفى الجامعة بسبب تراكم الديون". الكارثة بالتفاصيل الديون المتراكمة هي: 14 مليون دينار فقط. وهو رقم بسيط عندما تقرأ كيف تنفق الأموال في الأردن. ليس المطلوب تأمين المبلغ بقدر ما هو مطلوب الحفاظ على منجز لا يقدر بثمن. فمستشفى الجامعة الأردنية ليس مركزا صحيا إغاثيا، هو واحد من أفضل المراكز العلمية في الشرق الأوسط التي خرجت كوادر تفتخر بها المستشفيات الأميركية.

ليس من قبيل "الإعلام التنموي" والحديث عن "الصروح الطبية" في الأردن العظيم. حقيقة يشعر كل أردني بالفخر عندما يرى عمان عاصمة علاج العرب. ويرى الأطباء الذين تخرجوا وهم ينتشرون في المستشفيات الأميركية. فخريجو الأردنية كانوا الأفضل على مستوى العالم في امتحان مزاولة المهنة في المستشفيات الأميركية، لا ينافسهم غير أطباء الجامعة العبرية. هؤلاء ما كانوا ليتخرجوا بهذا المستوى بسبب التدفق المالي الذي أمنته الدولة النفطية. تخرجوا بسبب عمالقة آثروا أن يرضوا بالقليل ويدرسوا الأجيال زاهدين بالملايين(بلا أي مبالغة). يحضرني وأنا أكتب، من الراحلين قنديل شاكر رحمه الله، ومن الباقين كامل العجلوني ونايف عبدالله وغيرهم كثير.

للتوضيح؛ محمد جرار، رئيس قسم زراعة النخاع في جامعة ييل، وهي جامعة من أرقى الجامعات الأميركية التي لا يستطيع أغنياء أميركا إدخال أبنائهم فيها ما لم يكونوا متفوقين. محمد في أواسط الثلاثين لم يدفع أهله  ملايين الدولارات لتدريسه في الجامعات الغربية. درس في الجامعة الأردنية، ومكنته الجامعة من النجاح في اختبارات دخول المستشفيات الجامعية في أميركا للتخصص، مثله مثل أكثرية من تخرجوا من مستشفى الجامعة الأردنية.

مشكلة محمد ليس في عدم رضاه بالقليل في الأردن، وإنما في عدم حصوله على الرقم الوطني. فهو كان من سكان الضفة الغربية عند إعلان فكك الارتباط. طبعا حصوله على رقم وطني سيحقق طموحات شارون في جعل الأردن وطنا بديلا! الأميركيون حصلوا على هدية مجانية بسبب عبقرية الفشل التي تحكم كثيرا من قراراتنا. غير محمد كثير ممن ضاقت بهم البلد. لأسباب مادية حينا ولأسباب لها علاقة بقرارات المجلس الطبي الذي لا يعترف بشهادات التخصص من أميركا!

ليس المطلوب تأمين مبلغ عاجل لتسديد ديون المستشفى. المطلوب قرارات "ثورية" تحافظ على المنجز الذي بنته أجيال من المخلصين العاملين بصمت ومن دون ادعاء وحملات علاقات عامة. المطلوب استقطاب الأطباء الذين خرجهم المستشفى والحفاظ على من بقي منهم من خلال تقديم الحوافز المادية والمعنوية. ومبالغ كهذه لن تعجز عنها الدولة ولا القطاع الخاص الذي يمكن إقامة شراكات معه.

 

لدينا مستشفى الجامعة الأردنية لنحافظ عليه، ولا داعي لبناء قصور الوهم. لا أدري ماذا حصل في مشروع الجامعة الأميركية في العبدلي؟ كنا في لقاء مع رئيس الوزراء السابق فيصل الفايز وسئل عن مشروع العبدلي والجامعة الأميركية. وكيف تعطى جامعة كل هذه التسهيلات ومقابل ماذا؟ أجاب دولته في حينها أنها ستؤمن منحا لعشرة(فقط) أردنيين! الزميل إبراهيم غرايبة اعترض قائلا" أنا درّست عشرة من أشقائي أعطوني جامعة!"

مستشفى الجامعة الأردنية نموذج لتردي الإدارة الحكومية، التي توشك أن تصل إلى مستوى إضعاف المستشفى. المفارقة أن أزمة الدواء تأتي في وقت يتربع على وزارة الصحة وزير نجح في القطاع الخاص في بناء شركة أدوية أدرجت أسهمها في البورصات العالمية. ويحدثونك عن التحول الاجتماعي، الذي يبدو أنه باتجاه الوراء لا الأمام.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق