ملف إنساني!

تم نشره في الثلاثاء 25 تموز / يوليو 2006. 02:00 صباحاً

كما حدث في الملف الفلسطيني، يقوم المجتمع الدولي باختزال ملف العدوان الصهيوني على لبنان من ملف قتل واجرام وانتهاك لسيادة دولة الى ملف انساني. وتأتي المقترحات بوضع هدنة انسانية وانشاء ممرات آمنة لتأمين وصول المساعدات للشعب اللبناني المشرد داخل ارضه وللضحايا والجرحى.

للإنصاف فإن بعض الدول التي تقدم مثل هذه الاقتراحات وتسعى لتنفيذها تفعل هذا حرصا على الشعب اللبناني ومواساة له في محنته، ومنعا لظهور كارثة انسانية ونقص في الأغذية والأدوية ومتطلبات الحياة. لكن الخطورة ان هذا التركيز على الملف الانساني والمعاناة الحياتية كأنه يحمل اعترافا بالعجز من قبل اصحاب النوايا الحسنة، أو تواطؤاً من قبل المؤمنين (بحق) الكيان الصهيوني بضرب لبنان وشعبه بحجة الدفاع عن أمن اسرائيل.

يخشى من تحويل العدوان الصهيوني إلى ملف إنساني أن يؤدي ذلك إلى سد الثغرات الانسانية والمصائب التي يتركها القصف والتدمير فقط من دون اكتراث بالعدوان نفسه. فطائرات الاحتلال تقصف المدن والمدارس والبيوت وتخلف الجرحى والقتلى والمشردين وهذه الجهات تقدم العون الانساني. ولعل السر في حماس حكومة الاحتلال لاقتراح الممرات الانسانية انها تريد ان تقول للرأي العام ان معاناة الشعب اللبناني الانسانية لها طريق للحل، وانها تعالج من الاطراف الدولية بما فيها اسرائيل.

لعل بعض الدول والجهات المتعاطفة مع الشعب اللبناني ترى في الافق رغبة اميركية- اسرائيلية في استمرار العدوان ومحاولة تحقيق اهداف العمليات العسكرية في اعادة هيكلة الساحة اللبنانية ومناطق الجنوب، او تدمير ما امكن من قدرات المقاومة اللبنانية، ولقناعة هذه الاطراف ان العمليات العسكرية قد تستمر وقتا طويلا وتستغرق اسابيع فإنها تعمل على انقاذ المدنيين.

قد يكون لدى بعض الاطراف تعاطف مع فئات من الشعب اللبناني، لكنها لا تمانع في تقليم اظافر حزب الله ومحاولة صياغة واقع حزب الله بما يتناسب مع مطالب جهات لبنانية تتبنى تطبيق قرار (1559) الذي يدعو الى نزع سلاح الحزب وبسط سيطرة الجيش اللبناني على مناطق الجنوب. هذا القرار الذي لم يكن ممكنا تطبيقه عبر الحوار اللبناني الداخلي، وقد يكون العدوان العسكري وسيلة، ان لم يكن لتطبيق القرار فلإيجاد ارضية سياسية وشعبية وربما عسكرية لهذا.

اختزال القضايا الكبرى الى ملفات انسانية بمثابة هروب القوى الفاعلة من التزامها تجاه دولة تتعرض للاحتلال والتدمير. ومن الواضح ان الانتقائية والمعايير المزدوجة التي ينفذها المجتمع الدولي اصبحت امرا اجباريا حتى على من لا يؤمنون بها. فما دامت الادارة الاميركية، الراعي الرسمي للعدوان على لبنان، تعطي جيش الاحتلال كل الوقت الذي يريد لتنفيذ اهدافه فإن كل التحركات السياسية محكومة بالفشل.

وزيرة الخارجية الاميركية قررت ان لا تأتي للمنطقة الا هذا الاسبوع، وقد تستمر المساعي اياما طويلة، وكل هذا بمثابة منح اسرائيل الوقت الكافي للقصف والقتل، ولتقييم الموقف العسكري، فإذا قررت اسرائيل انها بحاجة لمزيد من الوقت ستجري المماطلة في العملية السياسية، واذا ما قررت اسرائيل ان مصلحتها في وقف العمليات فستشهد الدبلوماسية تسارعا في المبادرات حتى وان لم تتضمن بنودها اطلاق سراح الجنديين او حتى انسحاب حزب الله من الجنوب.

اختزال القضايا الى ملفات انسانية التفاف على عجز الجميع عن الفعل السياسي، ومنح مساحة للضمير الانساني ليقدم شيئا من الطحين لاهالي الضحايا، وبعض الحلوى للاطفال الايتام!

قبل الحديث عن اعادة الاعمار يفترض بالمجتمع الدولي العمل على وقف التدمير. فمؤتمرات بناء الجسور لا معنى لها قبل ردع طائرات العدوان، الا اذا كان العالم يحاول ايجاد مفاهيم جديدة للتضامن تبقي على القاتل يفعل ما يشاء وتقدم للمقتول بعض المساعدة!

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق