جميل النمري

مصير الإصلاح السياسي في ملتقى "كلّنا الأردن"!

تم نشره في الثلاثاء 25 تموز / يوليو 2006. 02:00 صباحاً

تبدأ غدا في البحر الميت اعمال الملتقى الوطني الضخم "كلنا الأردن".

لم ينجل الغموض حول وظيفة الملتقى في اذهان الكثيرين رغم الحوار والتوضيحات المتكررة، بالنظر الى ان كل ما يمكن مراجعته وبحثه من اولويات كان قد اشبع بحثا في مناسبات سابقة وآخرها الاجندة الوطنية. والاجندة وفق ما اعلنت الحكومة مؤخرا تم تفريغ محتوياتها على شكل برنامج تنفيذي للمدى المنظور، وهذه هي تقريبا المهمّة نفسها التي حددت للملتقى.

قد تتراكب الموضوعات وتتكرر، وقد يقدم الملتقى مقترحات لقوانين هي سلفا قيد الاعداد من الحكومة، مع ذلك فإن الملتقى يستمد أهميته من انعقاده بهذا الحشد الضخم الذي يضم قيادات الدولة والمجتمع، عبر المؤسسات المختلفة: الحكومة، الأعيان، النواب، المجالس العليا، النقابات، الأحزاب، غرف التجارة والصناعة، الاعلام، منظمات المجتمع المدني، وهو مايعطي لتوجهات وبرامج موجودة من السابق مزيدا من الثقل والشرعية، لكن قد يكون ذلك على حساب الدقة والتحديد لأن بعض القضايا الخلافية لا يمكن اقرارها الا على نطاق اضيق مثل بعض القوانين الاقتصادية.

وظيفة مستجدة للملتقى، في ضوء التوترات والتحديات الاقليمية والأمنية، تتمثل بإصدار خطاب حول الأمن والسيادة الوطنية وظواهر التطرف والارهاب والتكفير، وهذا المحور بطبيعته سيحمل مضمونا توجيهيا، باستثناء قانون منع الارهاب، وقد سبق ان صدر فيض من التصريحات والتحليلات التي تقول اننا لا نحتاج الى تقييد الحريات الديمقراطية، وصرّح جلالة الملك اننا لن نقبل التحول الى دولة بوليسية، مع ذلك هناك اشارات مقلقة هنا وهناك توحي بنزعة "انكفائية"، تبقى هامشية، اذا لم تمس الأركان الاساسية لمشروع الاصلاح السياسي، وهنا مربط الفرس.

الاشارة الأكثر مدعاة للقلق هي تنحية موضوع إصلاح النظام الانتخابي من جدول الاولويات او الاكتفاء بإشارة عامّة له.

من المعروف ان اصلاح النظام الانتخابي بات ركنا اساسيا في مشروع التنمية والاصلاح السياسي، ودخل بهذه الصفة في الخطاب الرسمي، وفي عهد الحكومات الثلاث الأخيرة كان يرد نصا في خطاب التكليف وفي خطاب الثقة، وعلى ذلك احتل موقعا محوريا في الأجندة الوطنية. وقد اوصلت كل الحوارات الوطنية الطويلة والمتعددة، حول عشرات المقترحات، الى فكرة النظام المختلط الذي يجمع بين تمثيل الدوائر وقوائم التمثيل النسبي لتحقيق التنمية السياسية والحزبية وتطوير المشاركة السياسية.

 التزمت حكومة البخيت بجدول زمني واضح لتقديم قوانين التنمية والاصلاح السياسي ابتداء بقانون الاحزاب يليه قانون الانتخاب وفق كتاب التكليف السامي. ولأن صيغ النظام المختلط متعددة فقد تعهدت الحكومة بفتح حوارات لبلورة صيغة مثلى تناسب الأردن لتجرى الانتخابات القادمة على اساسها. الآن نسمع نغمة تدعو لتأجيل الموضوع بذرائع شتّى مثل الظروف الامنية والاقليمية او اعطاء مهلة كافية لقانون الأحزاب ليأخذ مفاعيله، وتظهر لدينا احزاب وطنية كبيرة.

لن تظهر احزاب وطنية كبيرة ابدا بفعل قانون الأحزاب وحده، والتمويل المقرر سيمول احزابا صغيرة ولو تجاوزت عضويتها 250 او 500 عضو، فهذا العدد سيبقى محدودا بلا وظيفة اذا لم تتحول الأحزاب لتمثيل شرائح اجتماعية واسعة وهذا دورالنظام الانتخابي، فقانون الاحزاب والانتخاب يتكاملان لبروز احزاب وائتلافات تمثل الطيف السياسي الوطني.

تبقى الظروف الطارئة والمخاوف. ونحن لا نتجاهلها ابدا، لكن المنطقة تعيش تقلبات دائمة، وتقوية البناء السياسي الداخلي تساهم في تحصين الاردن، بينما الخواء السياسي الداخلي وضعف المشاركة هو الذي يبقي الاردن هشّا. ثمّ وفي كل الاحوال نحن لا نتحدث عن قفزة في الظلام، بل عن صيغة للنظام يمكن حساب نتائجها تماما. ولنقل صراحة، ماذا يخيف في نظام لا يعطي للإخوان اكثر من حجمهم العادل اي حجم قاعدتهم التصويتية، وهي في حدودها القصوى لا تتجاوز 20%، نظام يحافظ على نسب التوزيع للمقاعد على المحافظات وفق ما هو مقرر. هناك صيغ تضمن هذا وفي الوقت نفسه تضمن تطويرا سياسيا ونشوء ائتلافات سياسية وطنية، فأين المشكلة؟

نخشى ان تكون الرسالة الفعلية التي ستخرج عن الملتقى - اذا اسقط مشروع اصلاح النظام الانتخابي المقرر من السابق وفي برنامج الحكومة نفسه- هي الارتداد المدوّي عن مشروع الاصلاح السياسي.

نقبل اخضاع كل الصيغ لحوار معمق ونتفهم ان هناك انقساما ووجهات نظر وهي قابلة للمناقشة وصولا الى تصور مشترك يضع كل الاحتمالات ويراعي كل الاعتبارت. أمّا ترحيل الأمر برمّته الى سنوات قادمة فسيكون تخليا صريحا عن مشروع التطوير السياسي يطيح، بصورة خطيرة، بمصداقية الدولة، ويوجه رسالة محبطة للمجتمع عنوانها الارتداد، ونحن نريد الملتقى محطّة لتقوية التضامن الوطني والشعور بالمسؤولية المشتركة وبث التفاؤل واستنهاض الهمم للاصلاح.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عصف ذهني (محمد عبدالله)

    الثلاثاء 25 تموز / يوليو 2006.
    كل هذه الخلوات والمنتديات هي عبارة عن عملية عصف ذهني فقط. وما يتم الاتفاق عليه لا يتم الاخذ به بحرفيته بل ان هناك شخصية محوريةفي الملتقى تبحث عن فكرة ما. وعندما يجدها فانها سوف تطرح ما تبقى ارضا. وبالمناسبة قد تكون الفكرة التي يتم اخذها من الملتقي ملخص لمجموعة القضاياالمطروحة او قد يستنتج ذلك الشخص عندما يعود الى مكتبه اولويات ومبادرات اخرى جديدة تختلف تماما عن كل الاولويات المطروحة ويتم تبنيها كاولويات ظل وتطبق بسلاسة دون ان يعلم او يشارك بهااحد. فالامور القابلة للتنفيذ في الاردن هي غالبا الامور التي يشترك بصياغتها اقل عدد ممكن الناس.