أسعار البنزين في المنظار

تم نشره في الأحد 23 تموز / يوليو 2006. 02:00 صباحاً

تبدو أميركا في حالة من الفزع المذهل بشأن ارتفاع أسعار البنزين. ويعتقد مقدمو البرامج الإذاعية والمدافعون عن الفقراء في التلفزيون ان أعمال الشغب الواسعة باتت وشيكة، وأن مدنا كاملة ستحترق ما لم يفعل السياسيون شيئا لإنقاذ أميركا من الليل الاقتصادي الحالك والطويل الذي خيّم علينا. في الحقيقة، ان أسعار البنزين اليوم تأخذ من محفظات جيوبنا حصة اقل مما كان عليه المعيار في الحرب العالمية الثانية.

دعونا ننظر إلى عام 1955، وهو عام يقترن لدى غالبيتنا بالسيارات الكبيرة، والمحركات الضخمة، والوقود الرخيص- أيام المجد الآلي، إذا جاز التعبير. كان البنزين يباع بتسعة وعشرين سنتا للغالون. ولكن الدولار الواحد عام 1955 كان يساوي أكثر من الدولار اليوم. فلو استخدمنا دولارات اليوم، لكان سعر البنزين دولارا وستة وسبعين سنتا للغالون عام 1955.

اليوم، يكلف البنزين ثلاثة دولارات للغالون، إذن فنحن أسوأ حالا مما كان عليه الحال عام 1955، هل هذا صحيح؟ كلا. لأننا كنا عام 1955 أفقر مما نحن عليه اليوم، إذ كان للدولار وستة وسبعين سنتا تأثير اكبر على المصروف اليومي (بمعنى أنها كانت تمثل جزءا واسعا من الدخل) مقارنة بالدولار وستة وسبعين سنتا اليوم. إذا ما عدلنا أسعار البنزين ليس مع التضخم فحسب، بل مع التغييرات في معدل الدخل الاستهلاكي لكل فرد (والذي يعرف بالدخل ناقصا الضرائب)، فعليها (أي أسعار البنزين) ان تكلف اليوم خمسة دولارات وسبعة عشرة سنتا للغالون الواحد كي يكون لها نفس تأثير التسعة وعشرين سنتا في عام 1955.

دعونا نأخذ عاما آخر مقترنا لدينا بأسعار البنزين، عام 1972، أي العام الذي سبق حصار النفط العربي. كان البنزين يباع بستة وثلاثين سنتا للغالون الواحد. وإذا ما عدلناه مع التضخم، فإنّ السعر في الواقع كان دولارا وستة وثلاثين سنتا في عملة اليوم. وإذا ما عدلناه ثانية في التغييرات التي يُحدثها في معدل الدخل الاستهلاكي للفرد، فيجب ان يكون السعر 2.66 دولار للغالون لكي يكون له نفس تأثير اليوم.

هل كنا أحسن حالا عندما كنا نقود (سياراتنا) إلى محطة الوقود عام 1972 مما نحن عليه الآن؟ كلا، لان سياراتنا تحصل على مسافة ميلية اليوم أفضل بـ60 إلى 70% مما كانت عليه عام 1972 (22.4 ميل للغالون الواحد مقابل 13.5 ميل للغالون). وهذا يوازن أكثر من زيادة الـ10.5% في أسعار البنزين المكيفة وفقا للتغير في التضخم والدخل منذ ذلك الحين إلى الآن.

الآن دعونا ننظر إلى العام 1981، العام الذي تولى فيه رونالد ريغان الرئاسة. فقد بيع البنزين بدولار وثمانية وثلاثين سنتا في ذلك العام، وهي تساوي 2.72 دولار بعملة اليوم. وإذا ما سويَتْ وفقا للتغير الذي تحدثه في معدل الدخل الاستهلاكي للفرد، فعلى هذه الأسعار ان تكون 4.30 دولار لكي يكون لها تأثير مساو.

هنالك ثلاثة أسباب تجعل أسعار البنزين تبدو مرتفعة جدا في نظرنا اليوم. أولا، ان العديدين منا لا يثمنون التأثير الطويل الأمد الذي يمتلكه التضخم على الأسعار. ثانيا، ان العديدين لا يقدّرون مقدار الزيادة في دخلنا بالنسبة للأسعار. وأخيرا، ما زلنا نتذكر عام 1998 جيدا، وهو العام الذي واجهنا فيه أوطأ أسعار للبنزين منذ عام 1949. اذ بيع البنزين عام 1998 بـ 1.03 دولار للغالون، وهي توازي 1.21 دولار للغالون الواحد في قياسات اليوم. سعر اليوم اكثر من ضعف ذلك، والناس يكرهون الزيادة في السنوات العديدة الماضية، وذلك لأنهم يعتقدون ان أسعار عام 1998 كانت طبيعية. ولكنها لم تكن كذلك.

الآن دعونا نضع الزيادة في أسعار اليوم على أساس المصروفات الحقيقة. ان الأسرة المتوسطة تنفق 136 دولارا  للبنزين في كل شهر أكثر مما كانت في عام 1998، و114 دولارا في الشهر أكثر مما كانت تنفق عام 2002. ولكن، صدّق او لا تصدّق، ان الدخل الاستهلاكي الحقيقي (المعدل وفقا للتضخم) لكل أسرة قد تزايد بشكل أسرع حتى من أسعار المضخات؛ بمبلغ 800 دولار في الشهر منذ عام 1998، و279 دولارا في الشهر منذ عام 2002.

وفقا لذلك، فإن الأميركيين، من حيث المعدل، مازالوا متقدمين اقتصاديا على اللعبة. لا احد يحب أسعار البنزين العالية. لكنها ليست سيئة على النحو الذي يعتقده معظم الناس.

جيري تيلور وبيتر فان دورين: زميلان أقدمان في معهد كيتو بواشنطن.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مصباح الحرية

www.misbahalhurriyya.org

التعليق