الفقر سياسات

تم نشره في الأحد 23 تموز / يوليو 2006. 02:00 صباحاً

وفق الدراسات والأوراق الحكومية؛ فإنّ في الاردن قرابة (20) بؤرة فقر، اي مناطق ترتفع فيها نسبة الفقر وتقل فيها الخدمات وتمتاز بارتفاع البطالة. هذه المناطق لم تصبح هكذا لأن اهلها يمارسون هواية الفقر ويحبون الجوع والمساكن المتهاوية، بل لأن الحكومات العتيدة لم تصل الى هؤلاء، ولم تقم بواجباتها التنموية والسياسية والاجتماعية نحوهم، ونسيهم المسؤولون واغمضوا عيونهم فأصبحت مناطقهم اشبه ببعض المناطق الافريقية المنكوبة التي لم تر نعمة قط، ولو لم يكن للحكومات خطيئة الا السماح بتوسع هذه البيئات والمناطق المظلومة لكفاها كي تحاسب.

حكومات سابقة اعترفت بأن هؤلاء الاردنيين جزء من مسؤوليتها، عبر اجراء دراسات ومسوحات من وزارة التخطيط وجهات اخرى، لتقول ان هذه بؤر فقر، وبعض هذه المناطق لم نعرف عنها الا عندما زارها الملك فشاهدنا فقراً وبؤساً وظلماً يحيق بهم. فلو أنصفتهم سياسات الحكومات لكان لهذه المناطق واهلها اهتمامات مثل اهل عمان والمدن المحظوظة، ولرأينا بين ايدي اطفالهم مجلات وقصصا، وعلى وجوه النساء مواد التجميل والاكسسوارات وليس التجاعيد والبؤس او ما نسميه (الفقر والنقر).

هذه المناطق المنكوبة جزء من دوائر انتخابية لها نواب وعشائر جاء منها اعيان ووزراء ومديرون ومسؤولون كبار، لكننا جميعاً تركنا فقرهم يتزايد وجوعهم يتعمق، ولو اعطيناهم اهتماماً مثل اهتمامنا بمطعوم الحصبة او حق المرأة لما كانت هنالك بؤر للفقر، ورمز لتخلفنا جميعاً عن اداء واجبنا.

عندما يزور الملك بعض هذه المناطق نسمع من الحكومات همة ونشاطاً لمعالجة الخلل. لكن علينا ان نرفع صوتنا عالياً بضرورة أن تؤدي الحكومات دورها وواجبها نحو هذه المناطق، فمثلاً نبني جسر عبدون من الدوار الرابع بكلفة تزيد على (13) مليون دينار، وهو مشروع استراتيجي، كما تقول امانة عمان، لكننا، في المقابل، نطالب لهذه البؤر والعائلات بما يعادل تكلفة الجسر؛ فإنصاف هذه الفئات مشروع استراتيجي أيضاً.

نتمنى على الحكومات ان تتعامل مع هذه المناطق بحزمة مشاريع متكاملة متوالية، وليس بالقطعة. فالمطلوب الغاء هذه البؤر، فقد أنفقت حكومات على اعلانات لمبادرات وشعارات مبالغ طائلة فليكن السخاء نحو هؤلاء بمشاريع متجانسة بذات المستوى.

مهما كانت النوايا حسنة والعواطف صادقة، فإن من اسوأ المشاهد، التي قد نراها، هذه الأسر وهي تتلقى معونات وكراتين سمنة وشعيرية واحذية. فالحكومات التي تصل ببعض فئات شعبها ان تعيش على المعونات والصدقات لا تمارس تقصيراً تنموياً فقط، وانما تنزع من هذه الفئات بعض القيم الجميلة والفطرية.

لا نلوم الناس لأنهم بلا موارد ولا عمل، لكننا نلوم سياسات ومسؤولين جعلوا الناس تتجاوز قيما لديها، وتقف عند شاحنات المعونات وكأنها في مناطق نكبها زلزال او حرب لا قدر الله. لكن نكبة السياسات الخاطئة اكثر عمقاً والماً.

هل نحلم اذا طالبنا اصحاب القرار والحكومات ان يضعوا في اولويات الدولة الغاء مشاهد التهافت على المعونات والصدقات او وجبات الشركات في رمضان والتمور! وهل نطلب المستحيل اذا قلنا ان كرامة المواطن هي اولوية على كل السياسات السياسية والاقتصادية والتعليمية! وان صناعة الفقر وزيادة بؤره نقض لهذا كله!

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق