أيمن الصفدي

الميت الآخر

تم نشره في الثلاثاء 18 تموز / يوليو 2006. 03:00 صباحاً

كانت هناك حاجة لرجل بعبقرية أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى لاكتشاف موت عملية السلام. فمظاهر هذا الموت كانت أكثر غموضاً من أن يراها إنسان عادي غير مدعوم في قراءته بمخزون الجامعة العربية من الحكمة والقدرات التحليلية!

احتاج عمرو موسى إلى سنوات عديدة ليستنتج أن تنكّر إسرائيل لكل الاتفاقات الموقعة، وإلغاءها للشريك الفلسطيني وإعادة احتلال الأرض الفلسطينية وتثبيت ركائز هذا الاحتلال تعني أن عملية السلام ماتت ودفنت وتحولت ذكرى بعيدة لجهد فاشل.

ثمة جسد آخر ميت على مرأى عينيّ عمرو موسى. لكنه يصر على رفض احتسابه عند الله. ولا يدري أحد كم سيحتاج عمرو موسى للاعتراف بأن الجامعة العربية التي يمثلها ميتة أيضاً. فالموت، بأحد تعريفاته، هو انعدام الفعل وغياب التأثير والتحول جسداً يأخذ ولا يعطي.

الجامعة العربية تعاني كل جوانب الموت هذه. وآن للنظام العربي أن يعترف بموته مقدمة لإنتاج حياة جديدة، تحتاجها الشعوب التي يمثل، على ركام النظام العربي الراهن.

ليس مطلوباً من أمين عام الجامعة العربية أن يتحول مواطناً يائساً يكرر ما لم ينفك الناس يقولونه منذ سنوات حول موت عملية السلام. فموقع المسؤولية الذي يشغل يفرض عليه واجب التعامل مع حال الموت هذه وآثارها المدمرة على فلسطين ولبنان ومستقبل العرب.

فالاكتفاء بإعلان النعي لن يفضي إلا إلى يأس سيترجم إيماناً بخيار الحرب الذي لن يدعمه النظام العربي، ولن يؤدي إلا للمزيد من الخسائر والإذلال للعرب. وعلى الجامعة العربية أن تتبع تشخيصها للراهن بخطوات لإيجاد علاج تملك الدول العربية التي يمثلها موسى أدوات إنتاجه.

والبداية تكمن في إحياء النظام الرسمي العربي، أو على الأقل بعض أجزائه، التي يمكن أن تنتج حراكاً يستهدف ملء الفراغ الذي تبع موت عملية السلام.

وهذا لن يتأتّى من خلال اجتماع يتيم فاشل يعقده وزراء خارجية الدول العربية. وكان على وزراء خارجية العرب ألا يغادروا القاهرة قبل الاتفاق على آلية تحرك ديبلوماسية تباشر عملها فوراً. لكنهم غادروا، لتوجه لهم فرنسا درساً في التضامن وفي كيفية التعبير عن الحد الأدنى من المناصرة.

فها هو رئيس وزراء فرنسا يحرج العرب كلهم إذ يزور لبنان للتضامن معه ضد عدوان إسرائيل، بينما لم يستطع وزراء خارجية العرب تكريس أكثر من يوم واحد لمناقشة معاناة لبنان، وفي القاهرة حيث الراحة والأمان، وليس في بيروت المحاصرة المستباحة.

ثمة خياران لا ثالث لهما أمام الجامعة العربية الآن. الأول هو إطلاق حراك فاعل تناط قيادته بالدول الثلاث القادرة على التأثير دولياً وإقليمياً في الصراع العربي الإسرائيلي، مصر والسعودية والأردن. ويجب أن تُسلّح هذه الدول بالحد الأدنى من الإجماع العربي على أولويات توضع على طاولة حوار مع عواصم القرار العالمي، وتنتهي فعلاً ملموساً ينهي عدوان إسرائيل ويعيد ترتيب أوضاع المنطقة ضمن شروط تلبي الحد الأدنى من حقوق العرب.

فلا يجوز، ولن يكون ممكناً، العودة إلى الأوضاع التي سادت قبيل عدوان إسرائيل على غزة وحربها على لبنان. لكن الوضع الجديد سيولّد انفجاراً جديداً إذا انتهى إلى تحقيق شروط إسرائيل فقط. فللعرب مشاعر، وحقوق وشروط يجب أن تلبى أيضاً.

أما الخيار الثاني، فهو ان يعلن عمرو موسى، بذات الوضوح والتأثر اللذين نعى بهما عملية السلام، موت الجامعة العربية وما تمثله من ادعاءات وجود نظام رسمي عربي.

وربما يؤدي هذا الإقرار إلى ولادة جديدة، إما من خلال خطوات وبرامج ينفذها العرب، وإما من أتون الفراغ واليأس الذي بات سمة المنطقة. فالفراغ حال غير طبيعية لا تستقيم. وكذلك العجز. وتلكما حال العرب الذين أصبحوا يائسين حد الانفجار الذي لن تنجح استعراضية الجامعة العربية وعقلانية دعاة المنطق في احتوائه إذا ما حصل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الموت المعلن.. (سعاد نوفل)

    الثلاثاء 18 تموز / يوليو 2006.
    نأمل بأن يتوقف هذا الموت المعلن عند عملية السلام وجامعة الدول العربية فقط.. وأن لا يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك..!!
    يكفينا أمواتاً.. شكراً على المقال أستاذي..
  • »يسلم ثمك (مي الشريف)

    الثلاثاء 18 تموز / يوليو 2006.
    كلنا نعلم أن دور الجامعه العربيه هو فقط الشجب والاستنكار. اعجبني الخياران المقرحان سواء كان الأول أو الثاني. نحن بحاجه دائما لأشخاص -مثلك- يضعونا أمام واقعنا
  • »احسنت يا استاذ ايمن (م. حسن عثمان)

    الثلاثاء 18 تموز / يوليو 2006.
    لقد وضعت يدك على الجرح يا صديقي ولمست الواقع
    اتمنى لك مزيدا من التقدم
    صديقك حسن عثمان حجاوي