إسرائيل بين الغطرسة وسقوط الأوهام

تم نشره في الجمعة 14 تموز / يوليو 2006. 03:00 صباحاً

سارع الساسة الإسرائيليون، والى جانبهم بعض المحللين من صنّاع الرأي العام في إسرائيل، للبحث عن أسباب داخلية"للمهانة" التي منيت بها خامس قوة عسكرية في العالم، جيش الاحتلال الإسرائيلي، بعد هجوم حزب الله اللبناني على قوة احتلالية، يوم الأربعاء الأخيرة، والذي جاء بعد 18 يوما على عملية عسكرية فلسطينية. وفي كلتا العمليتين وقع جنود احتلال في الأسر، وهذا بالنسبة للعقلية الإسرائيلية أصعب بما لا يقاس من قتل عشرات الجنود.

وكان أول عنوان"للوم" على صعيد الساحة السياسية الإسرائيلية، هو حكومة "المدنيين"، رئيس الحكومة إيهود أولمرت، ووزير الحرب عمير بيرتس، اللذان يفتقران لتجربة عسكرية قيادية، وهما متهمان بأنهما لا يصدران الأوامر "الصحيحة" للجيش، الذي تسيطر عليه قيادة أركان تضم جنرالات حرب من ذوي التجربة "الغنية" بجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية.

ولكن هذه ليست المرّة الأولى التي"يهان" فيها جيش "القوة التي لا تقهر"، فقد سبق ذلك في عهد حكومات الجنرالات، الواحدة تلو الأخرى، منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي، وحتى يومنا هذا، وعلى الجبهات الفلسطينية والعربية المختلفة، لا بل أن عملية أسر ثلاثة جنود الاحتلال في خريف العام 2000، جرت في عهد حكومة الجنرال إيهود براك، وحين كان رئيس الأركان، الجنرال المتشدد شاؤول موفاز.

ونحن بطبيعة الحال لن ندخل في دوامة النقاش الإسرائيلي الداخلي في هذه القضية، ولكن طرحها هنا، جاء لعرض الأجواء الداخلية في إسرائيل، فالكل، تقريبا، ينشد نشيدا واحدا،"الحرب الحرب"، على إيقاع المدافع والقصف الجوي والبحري، والجيش ينطلق "ليسترد كرامة مفقودة"، فقد قرأنا أن لجيش الاحتلال مخططا شاملا للعدوان، وتساءل المراسلون العسكريون ما إذا كان بمقدور الحكومة أن تصادق على كل هذا"المخطط".

فقد أكد العديد من المحللين العسكريين الإسرائيليين في كتاباتهم في اليومين الماضيين على نجاح العملية العسكرية لحزب الله، ووجهوا انتقادات حادة لجيشهم الذي فشل في مواجهة"الأخطار" التي كان يعرف أن وقوعها مسألة وقت لا أكثر، وفي الوقت نفسه نقلوا الأجواء العامة في أروقة قيادة أركان الحرب الإسرائيلية، وهي أجواء "غضب وذهول وانتقام".

أكثر من ذلك، فإن اللهجة في خطاب أولمرت، في أول رد فعل رسمي صادر عنه، لم تكن مألوفة، فقد قال" إن إسرائيل لم تواجه عملية إرهابية بل عدوانا من دولة ذات سيادة على منطقة سيادية لدولة إسرائيل"، وهذا ما يمكن تفسيره كتمهيد لعدوان واسع على لبنان.

إن العنوان العريض للأجواء السائدة في إسرائيل، مع وقوع عملية حزب الله الجريئة، هو: الهروب مرة أخرى من مواجهة الحقيقة، والتشبث بأسباب هامشية لا تمت إلى جوهر الصراع في المنطقة. فإسرائيل تواصل الهروب طيلة الوقت من استحقاقات حل الصراع؛ فعلى صعيد القضية الفلسطينية أبرمت سلسلة من الاتفاقيات المرحلية، وفي كل واحدة من هذه الاتفاقيات زرعت إسرائيل الألغام لتنفجر مستقبلا وهذا ما نشهده اليوم، وأوهمت العالم أنها انسحبت من قطاع غزة، إلا أنها أخلت داخله لتحوله إلى سجن كبير تحت سيطرتها، وفي سنوات التسعين خرجت من داخل المدن الفلسطينية، لتخنقها بكتل استيطانية، ناهيك عن استمرار كل ممارسات الاحتلال على أنواعه من دون توقف. كذلك فإنها خرجت من لبنان، ولكنها أبقت عدة فتائل حرب بيدها، وعلى رأسها قضية الأسرى اللبنانيين، وحتى الصفقة الأخيرة التي أبرمت قبل نحو عامين ونصف العام لم تنفذها كاملة وأبقت على الأسير سمير قنطار، وهذا إلى جانب قضية مزارع شبعا.

من يعتقد أن إسرائيل خرجت حقا من لبنان، عليه ان يعيد في ذاكرته تطورات الأسابيع القليلة الماضية، فقد تم الكشف في لبنان عن خلية إرهابية تابعة لجهاز "الموساد" الإسرائيلي، نفذت عمليات تفجير واغتيال، واعترف بعض أعضائها وهرب آخرون، وجاء الاعتراف الإسرائيلي ضمنا، من خلال تقارير صحفية، فهمنا من بين سطورها أن إسرائيل لا تنفي، ونذكر في هذا المجال تقريرا للصحفية سمدار بيري في صحيفة"يديعوت أحرنوت".

وعلى الحلبة السورية، فقد تعاملت إسرائيل مع سورية في المفاوضات القليلة التي جرت معها كوسيلة ضغط على الفلسطينيين، وتهديدهم بتكثيف الضغط عليهم بعد إبرام اتفاق مع سورية، ولكن ليس من باب قضية احتلال ويجب انهاؤها.

واليوم تريد إسرائيل الاستمرار في النهج أحادي الجانب، الذي تفرض من خلاله "حلول جزئية" وتبقي بيدها فتائل إشعال نار الحرب في كل لحظة، فبعد اتضاح زيف "تحريرها" لقطاع غزة، تسعى لإعادة التجربة في الضفة الغربية، رغم كل التعقيدات الإقليمية والداخلية لإسرائيل.

وهناك من يتنبه إلى ذلك، فالمحلل السياسي البارز، آري شفيط، قال للقناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي، إن عملية حزب الله أسقطت أوهام الحلول أحادية الجانب، واعتمادا على الخلفية السياسية لشفيط، المحسوب على اليسار، فإنه قصد بذلك تجاهل إسرائيل الدائم"للطرف الآخر"، وللعنوان الصحيح.

هذا هو نهج إسرائيل، الدولة المعتدية دوما، في سنوات احتلالها، لقد ذهبت إلى المناطق الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 وحاولت استنساخ قيادة على شاكلتها موالية للاحتلال، وفي لبنان أنشأت جيشا عميلا، وبحثت عن قوى انتهازية في داخل لبنان لتدعمها، ثم نسفتها بيدها في وقت لاحق، وكل هذا لكي لا تواجه التمثيل الشرعي للشعوب العربية.

وكعادتها، فقد قررت إسرائيل، في هذه المرحلة، الهروب مرة أخرى من أزمتها السياسية الداخلية، والهروب من الواقع الذي تصطدم به منذ أكثر من 58 عاما، بانطلاقها إلى حرب جديدة، فهي اليوم تحارب على جبهتين، فلسطينية ولبنانية، وتهدد بشكل واضح بفتح جبهة ثالثة أمام سورية، ولكن حربا شاملة كهذه ستستدعي تدخلا دوليا فعليا، وهذا ما تتجنبه إسرائيل دوما.

ليس صدفة أن إسرائيل لم تبادر فورا إلى اجتياح بري للبنان، وهذا قد يحصل في الأيام المقبلة، ولكن ليس بإرادة إسرائيلية، وليس لأنها تريد تجنب الحرب، وإنما لأنها تريد تجنب التدخل الدولي المكثف، فهي ترى أن بمقدورها تحقيق كل الأهداف العسكرية العدوانية، من دون تدخل القوات البرية، بواسطة القصف الجوي والبحري. 

إننا نعرف الآن متى بدأ التصعيد الإسرائيلي الجديد، ولكن من الصعب معرفة موعد وشكل نهايته، وقد يستمر العدوان على لبنان وفلسطين لأسابيع واشهر، إلى حين تحقيق وقف إطلاق نار، يستمر لفترة في انتظار الاشتعال التالي.

بين اشتعال واشتعال تعتقد إسرائيل انه بإمكانها تجاوز مرحلة تاريخية لتعزز وجودها على الخارطة، ولكن في الوقت نفسه توجه ضربات ذاتية لنفسها، فبعد سنوات من الركود والانهيار الاقتصادي، رفع الاقتصاد الإسرائيلي رأسه من جديد في العامين الماضيين، والعام الجاري، فقد أنهت العام 2005 بنمو اقتصادي تجاوز نسبة 5%، وقبل أيام أعلنت وزارة المالية أن النمو الاقتصادي في إسرائيل في الربع الأول من هذا العام بلغ 6%.

وفقط في يوم الأربعاء، وبعد ساعات قليلة من هجوم حزب الله، فقدت العملة المحلية "الشيكل" 1% من قيمتها، فيما شهدت البورصة الإسرائيلية تراجعا من 1,5% إلى 2%، وقد علمت التجربة أن استمرار التصعيد الأمني والتوتر الحربي سيؤدي إلى تراجع اقتصادي كبير، وهذا ما قد تواجهه إسرائيل مجددا.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق