لماذا يقع بعض الشباب حديثي التدين في فخ التطرف؟

تم نشره في الثلاثاء 11 تموز / يوليو 2006. 02:00 صباحاً

قدمت أسرة الشاب اللبناني عاصم حمود المتهم بالتخطيط لأعمال إرهابية في نيويورك صورا له لوسائل الإعلام بدا فيها شابا سعيدا لاهيا، وسط أصدقاء وصديقات له يحملون زجاجات البيرة، يتمازحون ويتضاحكون، في هيئة ابعد ما تكون عن الصورة النمطية لمقاتلي القاعدة، للدلالة على أن ابنهم لا يمكن له أن يتورط في آخر المؤامرات الإرهابية المحبطة، التي أعلن عنها مكتب التحقيقات الفيدرالية الأميركية الأسبوع الماضي، وجرى اعتقال حمود في بيروت اثرها.

قد يكون بريئا، فهذه ليست أول مرة يتعجل فيها مكتب التحقيقات الفيدرالية، ويعلن عن مؤامرة يتبين لاحقا أنها لم تكن حقيقية أو مبالغا فيها، ولنتوقع الإعلان عن المزيد من المؤامرات المحبطة خلال الأشهر القادمة، فأميركا مقبلة على انتخابات حاسمة، والجمهوريون (حزب الرئيس) قلقون، والتوقعات رائجة انهم مقبلون على خسارة كبيرة، وقد ثبت أن إثارة المخاوف من الإرهاب وسط الناخبين الأميركيين أثناء مواسم الانتخابات مفيد للجمهوريين في السابق، ذلك أنها تدفع المنتخبين للتصويت لهم بحثا عن الأمن، بغض الطرف عن أخطائهم أيضا، مثل خطأ غزو العراق والذي بات "خطيئة" تكبر، والغالب أن هناك من سيدفع ثمنها في انتخابات نوفمبر القادمة، لكن لا يمنع ذلك من تجريب الوصفة القديمة، وها هي مؤامرتان تتوالى علينا حتى الان، الأولى خطط لها "مسيحيون يدرسون الإنجيل"؛ إذ قالت المباحث الفيدرالية أن ثمة علاقة بينهم وبين القاعدة، ما أثار سخرية بعض المعلقين، والحق أن لهم أن يفزعوا إذا استطاعت القاعدة، التي تكره وتكفر حتى غيرها من المسلمين، أن تؤثر في منظمة مسيحية متطرفة، والمؤامرة الأخرى المتعلقة بصاحبنا عاصم حمود الذي تقول والدته "انه محب للهو والحياة".

لبناني آخر تورط مع القاعدة، وهو زياد الجراح، قائد الطائرة الرابعة في عملية 11 سبتمبر، الذي فشل في مهمته فسقطت طائرته في أحراش بنسلفانيا، لكنه نجح في قتل عشرات من الأبرياء قادهم حظهم العاثر إلى تلك الرحلة. فتحدثت أسرته، أيضا"، عن حبه للمرح والحياة ، وعرضوا لوسائل الإعلام فيلما له يرقص ويغني في عرس، وقالوا إن له صديقة تركية، لكن لم يقتنع أحد؛ فمشاركة زياد ثابتة ولقد افتخر زعيمه في الجريمة بما اقترفت يداهما، والسؤال ينبغي أن يكون: لماذا عندما قرر زياد الجراح العودة إلى الله والتدين اختار تنظيما تكفيريا متطرفا؟ وسيكرر السؤال نفسه، فيما لو ثبت تورط عاصم حمود في التخطيط لعملية أنفاق نيويورك المحبطة، ولماذا تحول من حياة اللهو والصديقات وبيرة الهانكن إلى القاعدة والتكفير والقتل؟ لماذا لم يتحول الاثنان إلى مجرد متدينين محبين للناس والحياة فيتزوج الأول صديقته التركية والثاني واحدة من صديقاته العديدات ويستقران في بيت تخيم عليه المحبة والتعلق بالله عز وجل؟ أما إذا كان لتحولهما الطارئ بعد سياسي، وغضبة لما يتعرض له المسلمون من إذلال وانتهاكات، ورغبة في إقامة دولة الإسلام والخلافة فأمامهم الجماعة الإسلامية كبرى الجماعات الإسلامية السنية في لبنان؟ هل فقدت الجماعة جاذبيتها للمهتدين الجدد؟ هل باتت هي وغيرها من تيارات الإسلام السياسي المعتدل عاجزة عن إقناع الشباب بقدرتها على تحقيق التغيير الذي ينشدونه؟ هل الخطأ فيهم أم في بعض الشباب المتدين "المتعجل" كما يقول شيوخ الحركات الإسلامية! ولنتذكر انه كان أمام الشاب ايمن الظواهري وهو يتلمس طريقه نحو الحركة الإسلامية، منذ أن كان يافعا في الثانوية، أن ينضم للإخوان المسلمين لكنه نابذهم العداء مبكرا ورآهم مشروعا فاشلا وسجل ذلك لاحقا في كتاب خصه بهذا الموضوع، وأسس حركة متشددة انتهت تكفيرية ومؤسسة لتنظيم القاعدة.

لماذا تصبح القاعدة أو التطرف اختيار الشاب المسلم الغاضب، المتحول من حياة الفسق والضياع إلى ما يعتقده هداية وإيمانا؟ يعتقد البعض خاطئا أن عملية التحول هذه تحتاج تدرجا وشهورا، كثيرون يتهمون حركات الإسلام السياسي المعتدلة والعلنية إنها المحاضن الأولى للمتطرفين، يمرون عليها ومن ثم ينتهون مفجرين وانتحاريين، كثيرا ما يقال "الجماعات المتطرفة خرجت من عباءة الإخوان"؛ هل هذا تحليل صحيح أم مجرد تصفية حسابات بين تيارات متنافسة!

التحليل العلمي لسير رموز التطرف المعاصرين يجد انهم لم يمروا على الإخوان، ولننظر في تاريخ ايمن الظواهري، أبو مصعب الزرقاوي، أبو حمزة المصري، أبو قتادة الفلسطيني، يوسف العييري، عبد العزيز المقرن، لنرى كم هم ناقمون على "الإخوان"، منتقصون من قدرهم، متهمون لهم بالتخاذل، بل حتى يعمقوا الخلاف ويلبسوه ثوبا عقائديا يتهمون الإخوان بالابتداع والانحراف العقدي. الوحيد الذي اعرف انه كان من الإخوان ثم تحول عنها للتطرف هو زعيم القاعدة أسامة بن لادن، ولست متأكداً من خالد الشيخ مهندس عملية 11 سبتمبر الذي قد يكون مر على إخوان الكويت، فأخواه زاهد وعابد، رحمهما الله، كانا من ناشطي الجماعة في الكويت ولم يعرف عنهما تطرف وغلو.

ما الذي حصل حتى اصبح فكرا منبوذا، كان يسمى استنقاصا"المكفراتية"، هو البديل الثوري السريع للشباب الإسلامي المهتدي الغاضب المتعجل؟ هل هناك تقصير من العلماء والمشايخ القريبين من الحركة الإسلامية والذين يجتمع اتحادهم الدولي، في مؤتمرهم الثاني، هذا الأسبوع في استنبول؟ فلعلهم لم يهتموا بنشر ثقافة واقية من التطرف مثلما فعل بعضهم في الثمانينيات عندما اطل التطرف برأسه، وأخص بالذكر الشيخ الراحل محمد الغزالي وكتابه الشهير"السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" والشيخ يوسف القرضاوي، أمين الاتحاد المجتمع في استنبول، الذي حذر من التطرف الدخيل إلى صف الحركة في كتابه الشهير "الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف"، ولعل غضبتهم كانت يومها في وجه الانحراف الديني، وليّ عنق النصوص لخدمة أهداف المتطرفين، بينما التطرف الحالي تجاوز تلك المرحلة بعدما أسس لها وانتقل لاستخدام الظروف السياسية الجائرة لكسب الأنصار وتجنيد حديثي التدين، وللأسف يجب أن نعترف أن الظروف السياسية الجائرة غمت الأعين وشوشت الفكر بعدما استسلم حتى العقلاء والحكماء للوثة الغضب فتداخلت المواقف.

واختتم بالقصة التالية: في عام 91  كان العالم الإسلامي متأزما بأحداث البوسنة والجزائر بالإضافة إلى الجرح الدائم فلسطين، وصل خلالها شاب اسمه رمزي يوسف إلى نيويورك، من دون جنود واتباع، لكنه مزود بفكر وبعض المال، وخلال مدة قصيرة نجح في تجنيد ثلة صغيرة من الشباب العربي المسلم إلى فكره المتطرف، وكانت النتيجة أول عملية إرهابية استهدفت مبنى التجارة العالمي، فشلت العملية في تحقيق هدفها بتفجير البرجين أو أحدهما، ولم يهتم أحد بحقيقة نجاح رمزي يوسف بتجنيد شباب حديثي التدين خلال فترة قصيرة ، لم ينتبه أحد إلى أن ثمة خطا ما في التركيبة الذهنية للشباب المسلم جعلتهم غير محصنين، فكرت جماعة رمزي يوسف بعدما كبرت وأصبحت القاعدة وضربت ضربتها المذهلة في 11 سبتمبر وبقية القصة وتداعياتها معروفة.

لماذا يجذب فكر القاعدة رغم جنوحه للتكفير والخروج على إجماع المسلمين بعضا من حديثي التدين؟ سؤال كبير يستحق أن يطرحه أحد على العلماء المجتمعين في استنبول هذا الأسبوع، كأني اسمع الإجابة، إنها أميركا بصلفها وعتوها التي أغضبت هؤلاء الشباب، حسنا وماذا بعد؟ هل يعني ذلك أننا نوافقهم على ذلك؟ هل انتهت المشكلة وحلت الأزمة بتقرير مسؤولية أميركا والغرب على تطرف أبنائنا؟ لعل انفجارا لا قدر الله على بوابة الفندق الذي يجتمعون فيه ينبهم إلى أن ثمة مشكلة حادة أصابت العقل المسلم فهل انتم منتبهون يا أصحاب الفضيلة؟

كاتب ومستشار إعلامي سعودي

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وسيله ام غايه (عبدالحليم المجالي)

    الثلاثاء 11 تموز / يوليو 2006.
    من وجهة نظر توجيه التهمة الى الامة مجتمعه لتقصيرها العام وتواضع نتاجها ارى ان الكتاب والمثقفين اكثر الناس تحملا للمسؤليه فعندما يتطرق كاتب الى بيان اسباب وقوع بعض الشباب فى فخ التطرف ويجعل منه -اى التطرف- غايه وفخ ينصب لهم وليس منزلة يسعى الشباب الى نزولها لدوافع بعيده عن كل ما يتعلق بالمؤامره . انما الاعمال بالنيات فما هى - النيه- من وراء ان يفجر شاب نفسه فى وسط معاد بقصد ايقاع اكبر قدر من الخسائر فى صفوف مايعتقد انه عدو تلاقى الامة العربية والاسلامية منه كل اهانه وعدوانيه؟ اسئلة كثيره من اهمها هل يجوز ضمن المنطق ان تتعرض هذه الامه الى القتل والتشريد من دون ان نسمع صوتا رسميا واحدا عربيا يتناسب مع الحدث. ان غياب ذلك الصوت والفعل الرسمى يدفع الشباب الى ملء ذلك الفراغ باى اسلوب وباى رداء دينى او قومى او وطنى . ان فشل الامه بتاسيس جيش لها لتحقيق مهمة وطنيةكباقى الامم يدفع جهات اخرى لتحقيق هذه المهمه وبما ان ذلك لا يتفق مع السياق الطبيعى تبدو اساليب تلك الجماعات متطرفه ومن باب اولى على الكتاب والمثقفين التصالح مع جيوش هذه الامه لتقوم بمهمة الدفاع عن الاوطان وعندها يختفى التطرف.