عبث اصحاب العمل!

تم نشره في الاثنين 10 تموز / يوليو 2006. 02:00 صباحاً

رغم اننا نتنفس هواء العام 2006 الا ان جانبا كبيرا من روح هذا العام لا يزال غائبا عن سلوكنا في العمل كما في الحياة .. فحقوق العاملين في بلادنا تتراوح بين ضائعة ومضيّعة، وهي في الثانية اكبر منها في الاولى اذ يلجأ اصحاب العمل الى تجاهل وتناسي حقوق من تقوم على اكتافهم استثمارات بالملايين وسط هزل عام في الرقابة على هؤلاء ومنعهم من المضي في مسلسل التجاهل هذا خاصة ما يتعلق بعدم الالتزام في منح الحد الادنى من الاجر.

قبل ست سنوات بدأت الحكومة في تطبيق موضوع الحد الادنى للاجور وكان وقتها يبلغ 80 دينارا حيث ارتفع بعد عامين الى 85 دينارا ثم 95 دينارا في العام 2005 ، وآخر ارتفاعات الحد الادنى كانت في ايار قبل شهرين ليصل الى 110 دنانير، ولكن يبدو ان المادة 53 من قانون العمل والتي تنص على غرامات مالية بين (25 – 100) دينار لكل من لا يلتزم بالحد الادنى للاجر لم تعد كافية او حتى ملزمة لاصحاب العمل .. حيث الالتزام في ادنى مستوياته فيما شكاوى النقابيين والقيادات العمالية لا تتوقف حيال استمرار اصحاب العمل في عدم منح العاملين حقوقهم الدنيا من الاجر.

اصحاب العمل الذين يسكن معظمهم قصورا لا تتيح نوافذها العالية لهم رؤية ما يجري على الارض .. فربما انهم لا يعلمون بحال الغلاء المتفشية في ارجاء البلاد وهم لذلك يحسدون العاملين الذين يكدون لديهم صباح مساء على وفرة الاموال التي يقدمونها لهم، فمستوى 110 دنانير كبير في عيون هؤلاء ويجب ان ينخفض هذا المبلغ دون حاجز المئة حتى يتسنى لصاحب العمل تمويل رحلة صيفية لابنته الصغيرة في احد المنتجعات الاوروبية بآلاف الدولارات!

المشهد على الطرف الآخر من الكرة الارضية مختلف تماما، فمثلا في مونتريال في كندا يحظى عامل التنظيفات باحترام المؤسسات والافراد والمجتمع بشكل عام، واكثر من ذلك، فإن اجره يطاول اجور خريجي الجامعات وحملة شهادات الماجستير، فأجر الساعة الواحدة لعامل التنظيفات في مونتريال يفوق 35 دولارا، فإذا ما عمل تسع ساعات فإن اجره اليومي يبلغ 315 دولارا والاسبوعي 1600 دولار والشهري بما يقارب 7 آلاف دولار، يضاف الى ذلك سلسلة متصلة ومنظمة من حقوق الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي وغيرها من الحقوق على سوية عالية ويتم فيها الالتزام حرفيا بالنصوص القانونية دون تجاهل او تهرب او ابطاء من قبل صاحب العمل.

مؤسف ما يجري في بلادنا على صعيد الحقوق العمالية، فثمة مطالب تشمل عددا كبيرا من المؤسسات الاقتصادية لايزال يعاني بسبب غيابها عدد كبير من القوى العاملة التي تمثل نسبتها اكثر من ربع السكان، بينما العقوبات القانونية ليست رادعة بشكل يسمح بتغيير المشهد الحالي، علاوة على ان الرغبة بالالتزام لدى اصحاب العمل ليست قريبة التحقق.

الفرق بين ما يجري في مونتريال وما يجري في عمان على صعيد الحقوق العمالية قيمي بامتياز، فثمة قيم اجتماعية ونصوص قانونية اتفق عليها المجتمع بأسره وانتج بموجب اتفاقه هذا حالا يستفيد منها الجميع ..  والدولة في المحصلة النهائية، بيد ان عددا غير محدود من رجال الاعمال في بلادنا لا يفكر الا بحسابه البنكي فقط، فتراه لا يأبه بالقوانين ولا الحقوق ويضرب عرض الحائط بكل ما من شأنه ان يمهد للمؤسساتية ويضمن الحقوق، وهو بذلك يبعدنا اكثر فأكثر عن مفهوم الدولة الذي ما نزال نسعى لتحقيقه قانونا وسلوكا، وتعيقنا في تحقيق هذا المفهوم سلوكيات عبثية لا تستند الى ابسط قواعد الاخلاق في العالم.

التعليق