التطرف الإسلامي في أوروبا

تم نشره في الجمعة 7 تموز / يوليو 2006. 02:00 صباحاً

تـُرى ما الذي يجعل شباب المسلمين في الغرب عرضة للوقوع في شرك التطرف؟ وما هي الخبرة التي عايشها الجيل الناشئ من المسلمين في الغرب، فجعلت هذه الأقلية الصغيرة تنظر إلى العنف باعتباره الحل للمعضلات الاقتصادية والسياسية التي تعيشها، وتعتبر الانتحار سبيلاً للفوز بالجزاء الحسن والخلاص؟

لقد بادرت بريطانيا، التي ستحيي قريباً ذكرى التفجيرات التي شهدتها لندن في العام الماضي، إلى تجربة قانونية سعياً إلى الحصول على إجابات عن هذه الأسئلة. يرى المسلمون البريطانيون الشباب أن عالم العولمة الذي نعيشه يتحدى المعتقدات الأساسية، ويزعزع استقرار هوياتهم، وبالتالي يؤدي إلى تحفيز ردود أفعال دفاعية. مما لا شك فيه أن حقوق المواطنة البريطانية تضمن حرية التعبير وتمنح الأقليات حقوقها، والحقيقة أن المسلمين الشباب يستفيدون بصورة كاملة من هذه الحقوق. لكنهم يستخدمون هذه الحرية في تعميق الروابط الأسرية والثقافية بالعالم المغلق الذي يشمل هويتهم الإسلامية الموروثة، وبصورة خاصة الجانب السياسي منها.

من خلال الممارسة العملية، فإن هذا يعني أن العديد من الشباب المسلمين منشغلون تماماً بالأحداث الجارية في العالم العربي والإسلامي. فهم يرون ما نراه: منطقة حيث الأنظمة الاستبدادية بلغت من الفساد حد الإصابة بالشلل. لكنهم يشهدون أيضاً مستوى غير مسبوق من العداوة من قِـبَل الغرب، حيث تبدو الأنظمة الواحد منها تلو الآخر إما عرضة للتهديد أو واقعة في بحر من الفوضى. أفغانستان، والعراق، وفلسطين، والآن إيران: كلها تبدو أهدافاً للهجوم كجزء من "الحرب العالمية ضد الإرهاب". ونتيجة لهذا، يبدو الأمر وكأن الخيارات الاستراتيجية للغرب تتخذ منعطفاً مناهضاً للإسلام في نظر العديد من شباب الغرب المسلمين.

إن هذا الانشغال بما يجري في الشرق الأوسط يحتل مركز القلب من الاهتمامات السياسية لشباب المسلمين في الجامعات البريطانية، والمساجد، والمواقع على شبكة الإنترنت. وعلى الرغم من أن أغلب هؤلاء الشباب لا يؤيدون برويز مشرف في باكستان، أو حسني مبارك في مصر، أو عائلة آل سعود ، إلا أنهم يرون نفاقاً واضحاً في الانتقادات الغربية لهؤلاء الزعماء، تلك الانتقادات التي صممت بهدف التلاعب والتهميش ـ فمن المعروف أن الغرب لا يرغب حقاً في التمادي إلى أقصى درجة في الضغط على هذه الأنظمة.

ومن خلال الدخول على مواقع شبكة الإنترنت، ومشاهدة القنوات الفضائية، والسفر، ينجذب هؤلاء الشباب من المسلمين إلى مجتمع يشاطرهم رؤاهم والغضب الذي يعتمل في أنفسهم. وهكذا فإن التكنولوجيا تعمل على رفع درجة التوتر القائم بين آليات مجتمع حر معاصر وبين الشعور بمؤامرة ضخمة تحاك ضد المسلمين. ولقد أدى هذا إلى انقسام بين الآمال التي تحدو شباب المسلمين في حياة ناجحة في الغرب وبين آمالهم لإخوانهم وأخواتهم من المسلمين الذين كابدوا العديد من الإحباطات الرهيبة.

وبينما يحاول شباب المسلمين في بريطانيا (وفي أنحاء الغرب كافة) المناورة بين الجوانب المتباينة، والمتضاربة في كثير من الأحيان، من هويتهم، فقد برزت ثلاثة ميول واضحة:

- استجابة علمانية وبراجماتية، تجعل من الإسلام شأناً خاصاً؛

-  موقف محافظ يسعى إلى التوفيق بين الثقافة، والدين، والروابط الأسرية وبين الهوية البريطانية؛

- استجابة متطرفة للتضارب المحسوس بين السياسات الخارجية التي تتبناها أوطانهم الجديدة وبين صالح وخير العالم الإسلامي.

إن الموجات الحماسية المتعصبة القادمة من الشرق الأوسط، والتي تصل إلى المدارس والمساجد، تساعد على جر شباب المسلمين إلى التطرف. ولقد بدأت الحكومة البريطانية تستشعر هذا الخطر، وهي تحاول الآن إحكام قبضتها على المدارس والمساجد التي تنشر الكراهية. ولكن مما يدعو للأسف أن هذا النوع من القمع يتسم بالرجعية وقصر النظر، ويفتقر إلى بصيرة طويلة الأمد بشأن طبيعة التعليم الإسلامي في الغرب. ولن يفضي هذا إلا إلى تغذية مخاوف شباب المسلمين من المحاولات الرامية إلى تمييزهم من أجل جعلهم أهدافاً للاضطهاد فيما بعد.

 من بين المصاعب المترتبة على استجابة الحكومة البريطانية هي أنها تصنف المسلمين جميعاً باعتبارهم مسلمين فحسب. وبتصنيف الناس على أساس الدين تضيع الفوارق التي تفرضها الهوية الوطنية، أو الاختلافات التي تبرزها نوعية التوجه العقائدي. وكل هذا يصب في النهاية في مصلحة المتطرفين، وذلك لأنه يجعل من الإسلام العنصر المركزي لتحديد الهوية.

 الحقيقة أن هذه العملية تتكرر في الدول العربية الاثنتين والعشرين، حيث يؤدي المعتقد الديني إلى استبعاد أي معارضة سياسية ليبرالية ذات وزن. وفي ظل هذه الظروف يصبح المسجد المكان العام الوحيد حيث يستطيع الناس رفع أصواتهم بآرائهم السياسية. ومما يدعو للأسف أن إضفاء الطابع السياسي على المسجد صار التقليد المتبع في بريطانيا أيضاً.

 ليس من المحتم أن يستمر التطرف الإسلامي والإرهاب في الازدهار في الغرب. فعلى الرغم من الإحباط الذي يعيشه شباب المسلمين نتيجة للسياسة الخارجية لدول الغرب، إلا أن هؤلاء الشباب كانوا عرضة لروحهم الديمقراطية التي لا يمكن إنكارها. وربما يسعون الآن إلى إقامة روابط أكثر عمقاً بهويتهم الإسلامية، إلا أنهم وقد تعلموا كيف يسائلون السلطات، فليس من المرجح أن يتقبلوا التقاليد الأبوية الجامدة.

 تتلخص مهمة صانعي القرار في الغرب الآن في إدراك وفهم الصلة المتبادلة بين السياسات الخارجية والداخلية. ويتعين عليهم أن يكونوا جادين في دعم التمثيل الديمقراطي الشرعي في الدول الإسلامية، فآنذاك فقط سوف تبدو السياسة الغربية أقل نفاقاً ومراءاة. كما ينبغي عليهم أن يضمنوا بقاء الخيار المهني متاحاً للمواطنين المسلمين كما هو متاح لأي مواطن آخر.

باختصار، نستطيع أن نقول إن شباب المسلمين في الغرب يحتاجون إلى الإيمان بأن مبادئ الديمقراطية تحترم في الخارج وتطبق في الداخل على أساس من المساواة بين جميع المواطنين. وحين يسود هذا الاعتقاد بينهم فلسوف يكف القنوط واليأس عن تغذية الإرهاب، وآنذاك فقط سوف ينظرون إلى من يدعو إلى التفجيرات الانتحارية وكأنه يدعو إلى الفحش.

مي يماني مؤلفة كتاب "مهد الإسلام"، وهي كبيرة زملاء البحوث في دار تشاثام، والمعهد الملكي للشؤون الاقتصادية.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق