هدف التصعيد أبعد من حماس

تم نشره في الاثنين 3 تموز / يوليو 2006. 03:00 صباحاً

أثبتت تحركات رئيس الحكومة الإسرائيلية الجديدة، إيهود أولمرت، ومنذ بدء ولاية حكومته قبل شهرين، انه وضع لنفسه هدفا واحدا ووحيدا، وهو تنفيذ مخططه لفرض حدود من جانب واحد مع الضفة الغربية. وكان في حسابات أولمرت الكثير من الأمور التي اعتقد أنها ستسهل عليه مهمته، وأبرزها الدعم الدولي وتفجر الساحة الفلسطينية الداخلية، إلا أن أولمرت وحكومته اصطدما بالواقع الذي شوش هذه الحسابات، وكان التصعيد خيارا واضحا لحكومة إسرائيل، في سعيها للهروب من هذا الواقع لخلق واقع جديد قد يغير بعض المعادلات الحالية التي لا تناسبها.

ولهذا فإننا نرى أن التصعيد الإسرائيلي يأتي بتزامن مع إنهاء أولمرت لقاءاته مع زعماء العالم والمنطق، حيث لمس رفضا واسعا لخطته في فرض حدود من جانب واحد مع الضفة الغربية، وفي كل زيارة وجد من يدفعه نحو العودة إلى طاولة المفاوضات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ابو مازن، حتى اضطر أولمرت للاعلان عن لقاء كهذا كان من المفترض يجري في مثل هذه الأيام، ولهذا فإن التصعيد الجاري سيُسقط من جدول الأعمال مثل هذا اللقاء، الذي كان أولمرت سيذهب إليه خاوي اليدين، أمام العالم كله، الذي سيسأله عما لديه.

إسرائيل انتظرت في الأسابيع الأخيرة انفجارا في الساحة الفلسطينية الداخلية، وشغلت ماكنة إعلامها التي ساعدت في تأجيج الأمور، وبث الإشاعات في كل صوب، سعيا في تعجيل هذا الانفجار، لأنها كانت ستستخدمه كذريعة لها أمام العالم للابتعاد عن طاولة المفاوضات، إلا أن هذا أيضا ابتعد، على الأقل مرحليا، بعد أن أعلنت الفصائل الفلسطينية عن صيغة توافقية حول وثيقة الأسرى المعدلة، فليس صدفة أبدا أن إسرائيل شرعت في عدوانها الواسع على قطاع غزة في نفس يوم الإعلان عن الاتفاق الفلسطيني- الفلسطيني، رغم أن توقيت العدوان تزامن مع جهود دبلوماسية لإطلاق سراح جندي الاحتلال المحتجز في قطاع غزة، وهذا أيضا أثار الكثير من الأسئلة لدى بعض المحللين الإسرائيليين، ومن بينها "كيف من الممكن أن تكون عملية عسكرية كهذه هدفها إنقاذ الجندي".

من الواضح أن إسرائيل لم تنطلق إلى هذا العدوان من دون أن تتغلف ببعض الذرائع الشفافة جدا، فالعملية العسكرية الفلسطينية الجريئة في جنوب قطاع غزة، جاءت بعد أسابيع من تصعيد عسكري دفعت إليه إسرائيل بقتلها عشرات الفلسطينيين، غالبيتهم من الأطفال والنساء والشيوخ، وطبعا هذا لا يعني أن قتل الشباب مشروعا.

ونراها اليوم تنفذ اعتقالات واسعة النطاق ضد قادة حركة حماس، بالاضافة إلى ضرب مقرات وزارية وأخرى تابعة للسلطة الفلسطينية، التي تقود حكومتها في هذه المرحلة حركة حماس، التي هي واحدة من عدة حركات تقاوم المحتل الإسرائيلي، ولكن هذا المشهد رأيناه، أيضا، في فترة الحكومات الفلسطينية، فمنذ خريف العام 2000 درجت إسرائيل على الاعتداء على الرئاسة والحكومة الفلسطينية، واعتقلت واغتالت قادة في السلطة والمجلس التشريعي الفلسطيني، كذلك فإن إسرائيل التي تعلن أنها لن تتفاوض مع حركة حماس، هي نفسها لم تفاوض القيادة الفلسطينية منذ نهاية العام 2000، في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، وحتى في فترة الرئيس محمود عباس، الذي سبق في رئاسته وصول حماس إلى الحكومة بأربعة عشر شهرا.

وهذا لا يعني أننا في سياق مزاودة بين الفصائل الفلسطينية المختلفة، ومن هو أشد مقاومة ورفضا للاحتلال، كما يظهر في هذه المرحلة من قبل بعض المغامرين، أو من ذوي الأجندات المختلفة التي ليس بالضرورة تحمل الأولويات الفلسطينية الضرورية، ولكن مرد هذا الكلام هو أن إسرائيل، وفي كل فترة من الفترات، تبحث عن ذرائع، مهما كانت هشة، من أجل أن تبعد نفسها عن طاولة المفاوضات، وعن الاستحقاقات التي فرضتها الشرعية الدولية، هذا إن بقي للقرارات الدولية شرعية ما.

وكما جاء في معالجة سابقة لي في "الغد"، فإن الهدف الذي وضعه أولمرت، من خلفه حكومته الجديدة هو الوصول إلى نهاية العام القادم 2007 من دون أن تكون إسرائيل مضطرة للتوجه إلى طاولة المفاوضات، فمنذ أشهر طويلة، وحاليا أيضا، ارتفعت وتيرة بناء جدار الفصل العنصري بأضعاف ما كانت عليه، لتنجز بناء حوالي 780 كيلومترا من الجدار على أراضي الضفة الغربية، وحسب الجدول الزمني الذي أعلنت عنه حكومة الاحتلال فإنه مع نهاية العام الجاري تكون إسرائيل قد أنهت بناء 480 كيلومترا، بمعنى انه خلال العام القادم ستنجز إسرائيل يوميا بناء كيلومتر واحد على الأقل، وهذا أمر واقعي نظرا للعدد الكبير من شركات البناء التي تبني في آن واحد في عدة مناطق في الضفة.

ومع إنجاز هذا الجدار تكون إسرائيل قد فرضت خطتها كأمر واقع، ليس فقط أمام العالم وإنما أيضا أمام الساحة السياسية الداخلية في إسرائيل.

إن إسرائيل تتجه نحو التصعيد من منطلق أزمة سياسية في مركزها الموقف الدولي من مشروعها الاحتلالي، وليس فقط من منطلق قوة.

كان من المتبع طوال الوقت انه حين يوجه الاحتلال ضرباته العدوانية فإن أبواق الخلافات الداخلية تهدأ، وحتى أنها تختفي، ولكن للأسف هذا ما لا نجده اليوم في الساحة الفلسطينية، ومن حولها بعض الأبواق العربية، ونحن نشهد في هذه الأيام، وعلى مدار الساعة، حملة تشكيك أخذت لها جوقة "متعددة الأطراف والمنابر"، ترافقها جوقة المزايدة بين القوى المختلفة، والأكثر خطورة فإن هذه الأصوات تدرك تمام الإدراك أن إسرائيل تأمل بانهيار الجبهة الفلسطينية الداخلية من خلال احتراب داخلي قاتل.

إن نضال الشعب الفلسطيني دائم منذ عشرات السنوات، ولم يبدأ مع انطلاقة هذا الفصيل أو ذاك، كذلك فإن الأجندة الفلسطينية مليئة ومكتظة، وبالكاد تحتمل نفسها، ولهذا فهي ليست قادرة على حمل أجندة جهات خارجية، فالمهمة الماثلة أمام الشعب الفلسطيني هي قراءة الخارطة الحالية بشكل واقعي، ومعرفة نقاط الضعف عند العدو لمقاومتها، واستغلال فتات الدعم الدولي السياسي والمادي وعدم التسليم بمقولة "كل العالم صامت داعما إسرائيل"، وإلى جانب كل هذا فهم احتياجات الشارع الفلسطيني ليكون قادرا على تحمل مهمة الاستمرار بالمسيرة النضالية بوحدة شعبية شاملة، هي أقوى بكثير من قوة فصيل بمفرده.

إن حملة التشكيك وخطاب المزايدة على القيادات التاريخية للشعب الفلسطيني، هي كالسوس ينخر في سنديانة المقاومة، وهذا ما تأمله إسرائيل، التي تضرب اليوم حركة حماس، كما ضربت الحكومات التي من قبلها، من دون أي انتقاص لدور أي من هذه الحكومات والفصائل. 

*صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق