د.باسم الطويسي

الدفاع عن قيم الدولة

تم نشره في الخميس 29 حزيران / يونيو 2006. 03:00 صباحاً

الاستنتاجات التي تذهب نحو طلاق جديد بين الحركة الإسلامية والدولة أقل ما يقال حولها انها تنطوي على مبالغة وحكم مسبق على حزمة من الأزمات النامية منذ مطلع هذا العام تعود جذورها إلى أكثر من عقد ونصف، ليست وليدة اليوم. وعلى الرغم ان الحركة الإسلامية ذهبت هذه المرة بعيداً في تصعيدها السياسي وتجاوزت جملة من حدود التفاهمات التقليدية الوطنية، إلا ان تجليات التعبير عن الازمة تستعير أدواتها ومفاهيمها في الأغلب من مجال عام خارجي له اطروحاته ومقولاته التي تختلف تماماً عن خصائص الساحة المحلية ونسق علاقاتها مع الحركة الإسلامية.

منذ مطلع العام الحالي، أخذت الأزمات تتوالى بالتزامن مع تطورات الأحداث في المحيط الاقليمي منذ الصعود السياسي لحركة حماس في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، وما رافقه من تصريحات شهيرة لبعض رموز العمل الإسلامي المحلي، مروراً بموقف الحركة الإسلامية من قضية تهريب الأسلحة، حيث اتخذت الحركة الإسلامية مواقف مناوئة للحكومة ومناصرة لوجهة نظر حكومة حماس، وصولاً إلى الأزمة الجديدة وتداعيات عزاء الزرقاوي والموقف من الإرهاب، هذه الأزمات المتتابعة إذا ما أضيفت إلى ملف الموقف من أداء النقابات المهنية تضع العملية الديمقراطية الأردنية برمتها في مواجهة تخوفات رسمية ستعمق مجتمعياً عما قريب.

وعلى عكس ما كانت تقدمه دراسات غربية عنيت طوال عقد التسعينيات بتناول العلاقة بين الحركة الإسلامية والحكومة ورشحتها لأن تكون أداة للمزيد من الدمقرطة؛ ليس في الأردن فحسب بل وفي الشرق الأوسط، فإنّ الانفتاح السياسي الذي عاشته البلاد منذ عقد التسعينيات قد شكل مصدر تهديد لتلك العلاقات، حيث لم تعد جماعة الاخوان المسلمين هي الحركة السياسية المعارضة الوحيدة التي تتمتع بشرعية قانونية، بعد ثلاثة عقود ونصف نعمت خلالها الحركة باحتكار المجال السياسي العام وحدها دون منافس. بل أصبحت تتقدم أحزاب  المعارضة الأخرى ذات الطابع اليساري والقومي.

نموذج تردي علاقات الحكومات المتتابعة بالحركة الإسلامية، في ظل عدم وجود إرادة سياسية رسمية تقرر الحسم التاريخي للكثير من المفارقات والتعقيدات في مقابل عدم وضوح رؤية الحركة والشك المتزايد في ولاءاتها ومدى ارتباطها بأجندة وطنية محلية، هذا النموذج يضع اليد على احد مواطن الخلل في التنمية السياسية، وربما يعد احد أبجدياتها في التساؤل عن قيم الدولة ومدى نضوجها في وعي النخب السياسية وممارستها وفي وعي التنظيمات والحركات السياسية وفي مقدمتها الحركة الإسلامية. قيم الدولة هي نص مقدس يجب ان تلتزم به الحركات السياسية والتنظيمات وقوى المجتمع المدني والقوى الاجتماعية الأخرى وقبلها الحكومات.

قيم الدولة هي نتاج مفهوم الدولة الوطنية، وهي مزيج تاريخي من مخرجات العقد الاجتماعي والأطر التشريعية الناظمة للحياة السياسية ولعلاقات الأفراد والجماعات بالدولة وعلى أساسها تبني مفاهيم الهوية والسيادة والاستقلال، ولا يجوز لأي حكومة ان تمارس المناورة السياسية المحلية أو الإقليمية بالتعدي على هذه القيم، كما لا يجوز لأي تنظيم أو حركة ان تقفز فوقها، وأي دولة لا ترسخ هذه القيم كالأوتاد والجبال ستبقى معرضة للزلازل والهزات السياسية والأمنية ولا ينفعها منطق التحالفات ولا فرق المداحين والنادبين.

وفي التقريب مع حزمة الأزمات التي لم تتوقف مع الحركة الإسلامية، يبرز السؤال المركزي؛ هل هي في المجمل العام أزمة مع الدولة أم أزمة مع الحكومة؟ لعل الإجابة بموضوعية وصدق، عن هذا السؤال، تمثل المدخل الحقيقي للبحث عن الحل. فلقد أتعبتنا منذ عقد ونصف الأسئلة التلفيقية التي لا تجد إلا إجابات أكثر تلفيقاً ما جعل الحياة السياسية مرتعاً كبيراً للشائعات وللرمادية السياسية، فإذا ما نظرنا إلى الازمة باعتبارها أزمة حكومية، فإنّ حلها الأكثر ملاءمة هو تركها لتطورات الأحداث بمعنى سيناريو التصعيد الذي اعتادت الحكومات على ممارسته منذ مطلع التسعينيات وتعاملت من خلاله مع العديد من الأزمات ومع الحركة الإسلامية، بحجم هذه الازمة واكبر. فالتطور الطبيعي للأحداث يعمل يومياً على خلق ازاحات جديدة في البيئة السياسية توفر فرصاً لتجاوز الأزمة بالتهدئة والتغيير التدريجي في المواقف؛ فهناك اشتراطات رسمية واضحة تنال الانتخابات النيابية القادمة وتحدد حدود اشتباك الحركة مع الخارج.

ومع الأخذ بعين الاعتبار ان مصلحة الحكومة والحركة الإسلامية في التهدئة وفي الابتعاد عن التصعيد، وقد يتم ذلك قريباً، لكنه لن يخلق حلولاً لهذا النمط من الأزمات الذي قد يشهد إذا ما استمر على هذا المنوال تغيرات كيفية في أدوات التعبير ومخرجاتها، ولن يفتح الباب أمام تدشين المجال السياسي الوطني وكسر احتكاره، ولذلك أسبابه الوجيهة المرتبطة بالوجه الآخر للازمة، وهي العلاقة مع الدولة الأردنية.

طوال مواسم متعددة من الأزمات مع الحركة الإسلامية يتكرر التعامل مع نتائج الأزمات من دون محاولة الاقتراب من مصادرها الحقيقة التي تضرب في عمق تعقيدات العلاقات الأردنية- الفلسطينية في أبعادها الداخلية والإقليمية، وفيما تلقيه من ظلال على حركة تنظيمات سياسية محلية ليس في عقائدها وحسب، بل ولاءاتها وسلوكها السياسي، حتى ان السلطة الفلسطينية ذاتها قبل أكثر من عامين قد طالبت الأردن بتطبيق قرار فك الارتباط كاملاً، بما يشمل النقابات في فلسطين والعلاقات التنظيمية لحركات سياسية على الساحتين.

ان أمورا كثيرة تغيرت ومياه دافقة من كل الاتجاهات تكاد تغرق العمائر القديمة، ولا يزال منطق العلاقات الذي يربط الحركة الإسلامية بالحكومات المتتابعة لم يتغير، علاقات زبونية يحكمها المناخ السياسي وقابلية التوظيف والاستثمار اليومي والمناورة السياسية أكثر من الأفق الاستراتيجي، لكن هل زبائن الحكومات لم يتغيروا وهل الأطراف الإقليمية التي تدير خيوط اللعبة وتحرك متغيراتها ما تزال كما هي، وهل القضايا هي ذاتها؟! بالطبع تغير كل الفاعلين السياسيين، فالرجال الكبار على رأس الحركة الإسلامية أصبحوا قلة، وحملات العلاقات الاجتماعية والعامة وتقاسم الأدوار لم تعد مقنعة، وقواعد العمل السياسي الإقليمي برمتها قد تغيرت، وما تزال الحكومات تدير اللعبة بالقواعد التقليدية ذاتها، وهو الواقع الذي سيقود إلى خروج الحركة الإسلامية عن بيت الطاعة الوطني، وهو الأمر الذي لا يمثل مصلحة الدولة، ولا تريده الأصوات العاقلة في الحركة والحكومة.

اننا بحاجة إلى ترسيخ قيم الدولة بالتمأسس القانوني الصارم لحماية الدولة أولا وحماية مواطنيها ومن الأصول كافة ثانيا، حتى لا تهيمن فئة صغيرة صارخة وقادرة على تضخيم صوتها على المجال السياسي العام وتحتكره ما يؤدي في المقابل إلى تكييف هذا الوضع الشاذ لتعطيل حق البلاد في الإصلاح والتحديث.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق