ما الذي ألـمَّ بأميركا؟

تم نشره في الثلاثاء 27 حزيران / يونيو 2006. 03:00 صباحاً

جاءت الطبعة الأخيرة من دراسة المسح التي تصدرها مؤسسة Pew Global Attitudes لتؤكد أن الآراء المؤيدة للولايات المتحدة قد شهدت هبوطاً جديداً في اثنتي عشرة دولة من أصل خمس عشرة دولة شملتها الدراسة. وهو في الحقيقة انعكاس سيئ لدولة تخسر صورتها الطيبة أمام العالم. تُرى كيف تستطيع أميركا أن تسترد شرعيتها الدولية؟ ربما كان الرد على هذا السؤال يشكل واحداً من أهم التحديات في عالم اليوم، والسبب في هذا أن أميركا تمتلك قوة فريدة لا بد وأن تستخدم -ولا بد من استيعابها وإدراكها- كقوة للخير إذا كنا نرغب في تحقيق الاستقرار للعالم.

بعد انقضاء ما يقرب من عقدين من الزمان منذ زوال الإمبراطورية السوفييتية، أصبح هناك شعور واسع النطاق بالفرص الضائعة. كانت الولايات المتحدة قد حظيت بفرصة فريدة في أعقاب انتهاء الحرب الباردة لاستغلال تميزها ككيان خيري مستنير في تأسيس نظام عالمي أفضل، ولكن نتيجة لتوليفة من الأسباب السياسية والشخصية، أهدرت أميركا الكثير من الوقت أثناء ولاية كلينتون الأولى ثم الثانية.

ربما كان كلينتون أثناء تلك اللحظة "الوحيدة القطبية"، والتي كانت قصيرة وهشة بطبيعة الحال، قد كون في مخيلته صورة لما ينبغي أن تكون عليه مسؤوليات أميركا الجديدة، لكنه لم يسع إلى تحقيق تلك الصورة. ولقد كانت هزيمة الديمقراطيين في الانتخابات النصفية التي جرت في العام 1994، والتي أعقبتها فضيحة مونيكا لوينسكي، سبباً في كبح فاعلية وتأثير واحد من أكثر رؤساء أميركا نشاطاً وموهبة.

ولقد تجسد ذلك الفشل وبلغ ذروته حين عجز كلينتون عن فرض اتفاق سلام على الفلسطينيين وإسرائيل في العام 2000. وعلى النقيض من هذا، فإن جورج دبليو بوش لم يهدر الوقت، بل لقد فعل ما هو أسوأ وأضل سبيلاً، إذ سلك ببساطة المنعطف الخطأ، ولقد كان ذلك قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ذلك الحدث الأليم الذي أدى إلى تعزيز، وليس ابتداع، النظرة "المانوية" التي رأت بها أميركا نفسها ودورها في العالم.

هناك ثلاثة أمثلة حديثة تصور لنا العلة التي ألمت بأميركا، وخسارتها لوضعها المتفرد، وصورتها المتنامية باعتبارها قوة غير أخلاقية أدت إلى قدر كبير من عدم الاستقرار في العالم.

لنتأمل أولاً الاتفاقية النووية الأخيرة التي وقعتها الولايات المتحدة مع الهند. إذا ما تناولنا الجانب القانوني من القضية فلن نجد عيباً في هذه الخطوة، بما أن الهند لم توقع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. ولكن إذا ما نظرنا إلى الجانبين النفسي والسياسي، فسوف نجد أن التوقيع على هذه الاتفاقية لن يُـنْـظَر إليه إلا باعتباره أداة لإضفاء الشرعية على طموحات إيران النووية، فضلاً عن طموحات كوريا الشمالية. لقد كانت تلك الاتفاقية بمثابة الدليل المطلق على عدم اعتراف إدارة بوش بأي معايير أو قواعد عالمية موحدة. فالدولة "الخيرة" سوف تعامل بأقصى قدر من الرفق واللين، بينما لن تلقى الدولة "الشريرة" المعاملة نفسها.

أما الفضائح المرتبطة بغوانتنامو وسجن أبو غريب، والمزيد من فضائح جرائم الحرب الأخيرة، فقد كان لها أبلغ الأثر في الإضرار بمكانة أميركا وهيبتها. حتى أن الأنظمة التي تنتهك حقوق الإنسان على نحو نظامي سارعت إلى التشبث بكل حلقة من حلقات الإساءات التي ارتكبتها الولايات المتحدة. وبعد أن أصبح سجلها فيما يتصل بحقوق الإنسان محل التشكيك والتساؤل، باتت الولايات المتحدة التي كانت تضطلع بدور معلمة الديمقراطية في عالم ما بعد الحرب الباردة، في موقف أكثر ضعفاً من أن يسمح لها بإعطاء الدروس ووضع المعايير.

ولا تنتهي مظاهر النفاق والرياء عند هذا الحد. ففي الوقت الذي ترفع فيه السياسة الخارجية للولايات المتحدة شعاري "الديمقراطية" و"التحول إلى الديمقراطية"، فإن تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع دول غير ديمقراطية لا يعزز من مصداقية أميركا.

أما فيما يتصل بالقضايا العالمية، فسوف نجد تناقضاً فاضحاً بين ما تقوله أميركا وبين ما تقوم به من أفعال. ففي شهر شباط 2005، وفي خطبة عصماء ألقتها في باريس أثناء أول زيارة خارجية لها باعتبارها وزيرة لخارجية الولايات المتحدة، أعلنت كوندوليزا رايس عن طموحات أميركا فيما يتصل بالعالم، فقالت: "إن دور العالم يتلخص في تحسين العالم. وأميركا، باعتبارها الدولة الأقوى والأكثر انتصاراً للأخلاق في العالم، لديها مسؤولية فريدة ينبغي عليها أن تتحملها".

بعد ذلك بثمانية عشر شهراً، كانت النتائج أبعد ما تكون عن الأهداف. فقد أسهمت الإخفاقات السياسية للولايات المتحدة في تقليص شرعية قوة أميركا بصورة أكبر. فعلى الرغم من موت الزرقاوي مؤخراً في العراق، إلا أن الموقف هناك، وفي أفغانستان، لا يبرر حالة التفاؤل المستمر التي تعيشها إدارة بوش.

مع تضاؤل شرعية أميركا فقد بدأت قوى فاعلة أخرى في الظهور على الساحة العالمية، أو عادت إلى الظهور من جديد. فالتآلف والانسجام بين روسيا والصين اليوم لم يكن ناجماً عن اتفاقياتهما الثنائية بشأن الطاقة فحسب، بل إن ذلك نابع أيضاً من اقتناع كل من الدولتين بأن وقتهما قد حان، وأن العالم الخارجي يحتاج إليهما أكثر من حاجتهما إلى العالم الخارجي، وبصورة خاصة الولايات المتحدة.

وعلى الجانب الإستراتيجي فإن النفوذ المضمحل لأوروبا المشلولة يشكل أيضاً عاملاً سيئاً بالنسبة لأميركا. ذلك أن الولايات المتحدة تحتاج اليوم إلى حلفاء أكثر من أي وقت مضى، بعد أن بدأ العالم في الارتداد إلى حالة تعدد الأقطاب التي سادت فترة ما قبل الحرب. بطبيعة الحال، ونظراً للتفوق العسكري الموضوعي للولايات المتحدة، فأنا أطلق على هذه الحالة وصف "تعدد الأقطاب غير المتناسق". لكن الولايات المتحدة لم تعد الدولة التي يسعى الآخرون إلى محاكاتها، ولم تعد الدولة التي يتطلعون إليها باعتبارها زعيمة للعالم.

إنه لمن المبكر أن نرفض أميركا، وأن نعلن عن نهاية لحظتها الإمبراطورية. ذلك أن أميركا تتسم بخواص فريدة، وبصورة خاصة قدرتها على النهوض بعد التعثر. لذا، يتعين على الرئيس القادم للولايات المتحدة أن يكون قادراً على الاستفادة من حالة التفاؤل الجوهري التي تتسم بها أميركا، فضلاً عن فلسفتها البرجماتية وقدرتها على الفعل. لكن ذلك الرئيس سوف يجد نفسه في مواجهة صراع متصاعد لكي يثبت للعالم أن أميركا تستطيع أن تصبح قوة للخير، ومنارة للديمقراطية تهتم بسلامة كوكب الأرض وترقى إلى المعايير التي تضعها للآخرين.

دومينيك مويزي أحد مؤسسي وكبير مستشاري المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (Ifri)، وهو يعمل حالياً أستاذاً بجامعة أوروبا في ناتولين بوارسو

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق