منار الرشواني

عالم أكثر أمنا وعرب أكثر بؤسا!

تم نشره في الجمعة 23 حزيران / يونيو 2006. 02:00 صباحاً

إلى وقت قريب جدا، يبدو أن العالم أجمع كان ينظر إلى النصف الفارغ من الكأس دون أدنى اهتمام بنصفها الآخر الممتلئ، بل ولربما غير مدرك لوجوده أصلا، فكيف بالاعتراف به! أما ما يبعث على الإثارة بشكل أكبر، فهو أن الممتلئ من الكأس فعلا أكثر بكثير من نصفها!

إذ خلافا للصورة التي يروجها الإعلام اليوم، كما منظمات دولية وأخرى غير حكومية، حداً جعل ما تقدمه حقيقة مسلما بها وغير قابلة بالتالي للنقاش، جوهرها ازدياد عدد النزاعات المسلحة وجرائم الإبادة البشرية؛ كما ازدياد عدد قتلى الحروب الذين يشكل المدنيون ضمنهم ما نسبته 90%؛ وكون الإرهاب العالمي هو التهديد الأخطر للأمن الإنساني؛ وأن الحروب في عقد التسعينات من القرن الماضي قد أفضت إلى مقتل خمسة ملايين إنسان، فيما قتل خلال العقد الماضي وحده مليونا طفل نتيجة الحروب، مع وجود ما يقدر بثلاثمائة ألف طفل مجند (جنود أطفال) على مستوى العالم؛ وصولا إلى أن النساء هن الضحايا الرئيسيين في الحروب، ويشكلن مع الأطفال ما نسبته 80% من اللاجئين؛ خلافا لهذه الصورة "المزورة"، يؤكد "تقرير الأمن الإنساني الأول" الصادر عن مركز الأمن الإنساني في جامعة "بريتيش كولومبيا" (British Columbia) بكندا، حقيقة أخرى مناقضة تماما، تستند إلى أدلة تثبت "حصول تغير إيجابي مثير، وإن لم يكن معلنا، على صعيد الأمن العالمي".

وبحسب التقرير، انخفض عدد النزاعات المسلحة في العالم منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي بما نسبته 40%. وفي مقابل احتواء أو إنهاء 43 نزاعا مسلحا لتقرير المصير (انفصاليا) خلال الفترة 1991-2004، نشب فقط 28 صراعا، لم يتبق منها في العام 2004 سوى 25 صراعا، فيما يمثل أدنى عدد منذ العام 1976. كذلك، ورغم فظائع رواندا وسبرينيتشا وغيرها، انخفض عدد جرائم الإبادة البشرية في العام 2001 بنسبة 80% من الذروة التي بلغتها في العام 1988. كما انخفض عدد الأزمات الدولية المنذرة بحروب خلال الفترة 1981-2001 بنسبة 70%. أما على صعيد تجارة الاسلحة، فقد انخفض حجم الصفقات، محسوبا بالدولار الأميركي، بما يقدر بـ33% بين العامين 1990 و2003، وليترافق ذلك مع انخفاض حاد أيضا في حجم الانفاق العسكري العالمي وعدد الجيوش في العقد الأخير من القرن المنصرم. ونتيجة لما سبق، فقد انخفض عدد اللاجئين بين العامين 1992 و2003 بحوالي 45%. أما على صعيد حقوق الإنسان، فقد تراجعت الانتهاكات بين العامين 1994 و2003 في خمس مناطق من أصل ست في العالم النامي.

وإضافة إلى المؤشرات الإيجابية السابقة منذ نهاية الحرب الباردة، ثمة مؤشرات أخرى تعود  إلى مرحلة أسبق، من بينها انخفاض عدد الانقلابات العسكرية او المحاولات للقيام بذلك لما يزيد على أربعين عاما.

لكن إذا سلّمنا بصحة كل الأرقام والنتائج السابقة الباعثة على التفاؤل التي خلص إليها التقرير على مستوى العالم، فهل يمكن توسيع هذا التعميم الإيجابي إلى المنطقة العربية تحديدا؟ أي هل ينتمي العالم العربي إلى العالم فعلا؟

سمة "تقرير الأمن الإنساني الأول" كما إشكاليته في آن هو استناده إلى عدد من قواعد البيانات غير التقليدية فيما يتعلق مثلا بالعنف السياسي، وعدد ضحايا الحروب، لكن مع ذلك يظل من الممكن وضع عدد من الملاحظات الأولية، على الاقل فيما يتعلق بالمنطقة العربية.

فعلى صعيد المؤشرات، هل يمكن فعلا اعتبار انخفاض عدد محاولات الانقلابات العسكرية، الناجحة منها والفاشلة، دليلا على مزيد من الأمن، أم أن هذا الأخير كان الثمن الحقيقي الذي دفعه المواطنون العرب لوقف الانقلابات، من خلال الإجهاز شبه الشامل على حقوق الإنسان، وبطريقة وصلت منتهاها في القسوة، وليتحول الاستقرار الظاهري بالنتيجة إلى قنبلة قابلة للانفجار في أي لحظة وعند أي مناسبة، والعراق خير مثال على ذلك منذ حرب عاصفة الصحراء في العام 1991 وحتى اليوم؟

 الملاحظة ذاتها ترد في حالة الصومال؛ فبحسب أحد مسؤولي الملف الصومالي في الأمم المتحدة، أدى الصراع الذي تفجر بين "المحاكم الإسلامية" وما يسمى "تحالف مكافحة الإرهاب" إلى تحريك مياه آسنة، لم يكن يستفيد منها سوى أمراء الحرب في بلد يعاني سكانه من فقر مدقع، وكان الحفاظ على هذا الاستقرار الموبوء هو الضمان الوحيد ليحافظ أمراء الحرب أولئك على مكاسبهم على حساب حياة الصوماليين.

أما على صعيد الحقائق التي يوردها التقرير، وفيما يتعلق بالانفاق العسكري تحديدا، فبغض النظر عن الأرقام، تقع الدول العربية كافة باستثناء اليمن، وفقا لمعهد استوكهولم لأبحاث السلام، ضمن فئتي الإنفاق المتوسط إلى المرتفع كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. وبدهي أنه في حالة العالم النامي الذي ينتمي إليه الوطن العربي ثمة معادلة واحدة: إما السلاح وإما التنمية.

لكن الأهم والأخطر ضمن مؤشر السلاح هو أن الولايات المتحدة التي تحتل المرتبة الأولى في الانفاق العسكري على مستوى العالم ككل، قد ازداد انفاقها بشكل كبير بعد حربي أفغانستان والعراق، بحيث تعتبر مسؤولة عن 80% من الزيادة الحاصلة في العام 2005، لتكون النتيجة الحتمية هي أن جزءا لا يستهان به من الانفاق العسكري العالمي يوجه فعليا ضد العرب، ليبلغ عدد القتلى المدنيين في العراق وحده منذ الغزو الأميركي إلى 38475 كحد أدنى و 42889 كحد أقصى، بحسب مشروع تعداد الضحايا العراقيين (آي بي سي) الأميركي.

فوق كل ما سبق، ولربما غيره، يظل مهما الإشارة إلى أنه في عالم "يزداد أمنا" يظل العربي أو المسلم هو الوحيد المسموح باعتقاله دون محاكمة ودون توجيه أي تهمة له، في سجون سرية أو معلنة، وليس ذلك في بلدان عربية أو عالمثالثية، بل في الولايات المتحدة ذاتها أو برعايتها، ودائما تحت المسمى-الذريعة: الحرب العالمية على الإرهاب. كذلك يظل العرب هم الوحيدون الذين يعانون من تمييز عنصري في فلسطين، لا من قبل إسرائيل فقط بل ومن العالم الغربي "المتحضر" الذي يشارك في حصار شامل على الشعب الفلسطيني، والتهمة هي ممارسة الديمقراطية!

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق