أيمن الصفدي

أرقام تدق ناقوس الخطر

تم نشره في الاثنين 19 حزيران / يونيو 2006. 02:00 صباحاً

الخوف من انتشار الفكر الإرهابي في المجتمع ليس فزاعة. هو رد فعل ضروري على حقائق مخيفة يرتكب كل من يتجاهلها خطيئة بحق المجتمع. فنتائج الاستطلاع حول موقف الأردنيين من أبو مصعب الزرقاوي، الذي تنشره اليوم صحيفة "الغد"، تظهر ان المجتمع مايزال في أكثريته مدركا لطبيعة الإرهاب وعواقبه. لكنها تنذر أيضا بأن الإرهابيين تمكنوا من تسميم عقول أقلية لافتة في المجتمع.

لا مفاجآت في وصف 59% من الأردنيين للزرقاوي بالإرهابي. فزعيم تنظيم القاعدة في العراق اعترف بقتل الأبرياء وتحدث علنا بالفتنة. بيد ان هناك مؤشرا خطيرا جدا في اعتقاد 15% من الأردنيين بأنه شهيد ومجاهد وإشارة 17% له بالمواطن العادي حين سُئِلوا بماذا يصفون الزرقاوي.

تلك ظاهرة تستحق ان يتوقف عندها المجتمع بكل فئاته، خصوصا ان أكثرية من يؤيدون الزرقاوي هم من بين الـ18 والـ39 من العمر.

الارقام اذن تدق ناقوس الخطر. الفكر التكفيري يتسلل الى الثقافة المجتمعية. وتجاهل هذه الحقيقة سيؤدي الى دمار سيدفع البلد ثمنه.

والأرقام أيضا تظهر حتمية التصدي لهذه الظاهرة، فعلا فكريا ثقافيا ورسما للحدود التي يجب ان تحكم العمل السياسي والفكري وتدور ضمنها المماحكات السياسية.

مسؤولية وقف المد التكفيري ليست محصورة في الحكومة، رغم ضرورة قيادتها تحركا منهجيا لمواجهته. جميع القوى السياسية تتحمل أيضا مسؤولية الاتعاظ من الانحدار الفكري الذي نال من فئات من المجتمع من خلال اعتماد خطاب سياسي فكري حضاري لا غلو فيه ولا تطرف ولا استغلال لمشاعر هائجة لتحقيق شعبوية هشة الركائز.

على الحكومة ان تحمي المجتمع من الإرهاب ومروجيه ومبرريه قانونا. لكن دورها يجب ان يكون ايضا تنويريا من خلال توسيع آفاق العمل السياسي وتجذير الديمقراطية واحترام الرأي المعارض وإنهاء حال الوصاية التي تفرضها والجامعات على الشباب وآفاقهم. فالضلالة تتقهقر في رحابة بيئة سياسية فكرية منفتحة.

بهذا المعنى، لا يكون التصدي للفكر الإرهابي انتقاصاً من الحريات ولا يكون الثبات في وجه التخلف الذي يمثله نكوصاً للديمقراطية. يكون، على العكس من ذلك، حماية للديمقراطية ودافعاً للإصلاح.

لكن كل ذلك لن يهزم الضلاليين في سعيهم تجنيد الأتباع وضمان القبول المجتمعي لفكرهم ان لم تتبن مؤسسات المجتمع المدني، نقابات واحزابا وغيرها، موقفا واضحا في لفظ التطرف وعقلنة السجال السياسي.

أما جماعة "الإخوان المسلمون" وحزب جبهة العمل الإسلامي، فيحتاجان ان يتوقفا طويلا عند الحقائق التي كشفها الاستطلاع. والرسالة التي ستستفيد الحركة الإسلامية من قراءتها انه لا يمكن النظر الى موقف نوابها الذي لم تدنه من الزرقاوي على انه عمل اجتماعي، وأن رفضها اعتبار الزرقاوي إرهابيا موقفٌ قد يبرر التطرف الذي صبغ موقف اكثر من 15% من المجتمع. وهذه الإفادة تكون بتبوؤ موقع متقدم في رفض التطرف ونشر الفكر التنويري. ذلك بالطبع ان ارادت الحركة ان تظل مخلصة لإرثها الوسطي، وأن تقوم بدورها الذي ما انفكت تصفه بالرسالي.

أما إن أرادت ان تظل تراوح الرمادية في موقفها من الزرقاوي فستجد الحركة الإسلامية عند الأقلية المضللة قاعدة آنية لن تلبث ان تنقلب عليها متى استطاعت.

وهذا سيكون خيار الجماعة. أما خيار البلد فلا يجوز إلا أن يكون حاسماً في التصدي للإرهاب ودرء الخطر الذي يمثله، اعتماداً للوضوح في تبني قول عقلاني يدحضه وإجراءات أمنية توقف متبعيه وإصلاحات سياسية تكسر بضوء الانفتاح والديمقراطية عتمة الظلامية التي تشكل بيئته.

التعليق