محمد أبو رمان

ملفات حيوية في أتون الأزمة

تم نشره في الأربعاء 14 حزيران / يونيو 2006. 02:00 صباحاً

أحد الأسئلة الأكثر تداولاً لدى النخب السياسية والإعلامية حالياً: هل ستقف الأزمة بين الحكومة ومؤسساتها وبين جماعة "الإخوان" عند حدود سجن النواب الإسلاميين الأربعة ومحاكمتهم أم أنّ العلاقة مرشحة لمزيد من التدهور والتأزم؟ وفي حال كان الاحتمال الثاني هو الأقرب: إلى أي حدٍّ يمكن أن تتفاقم الأمور؟.. هل ستصل إلى مرحلة تتجاوز فيها "الخطوط الحمراء" التي كانت تصل الأزمة عندها ثم تبدأ بالتراجع، ما يكرس قاعدة "الزواج القسري" بين الطرفين أم أنّ ثمة سيناريو آخر يمكن أن يخرج بالعلاقة عن مسارها التاريخي ويضعها في صيغة جديدة لم تعهدها الخبرة الأردنية سابقاً؟

في سياق قراءة الأبعاد العامة للأزمة يجدر التوقف عند التطورات الأخيرة لما تختزله من دلالات مهمة. على صعيد المؤسسة الرسمية؛ يبدو أنّ هنالك قراءتين لزيارة عدد من النواب الإسلاميين لعزاء الزرقاوي: القراءة الأولى ترى أنّ الزيارة كانت خطأً كبيرا وقع فيه هؤلاء النواب، ولا يوجد رسائل سياسية وراءها، بقدر ما تمثل "سوء تقدير"، أما القراءة الثانية فترجح أنّ الزيارة هي رسالة سياسية واضحة من "الإخوان" لكل من المؤسسة الرسمية والرأي العام الأردني، وفحوى هذه الرسالة " أنّ الجماعة تعتبر الزرقاوي شهيداً وبطلاً، ضد المشروع الأميركي، ما يعني أنّ جهود الأردن في ملاحقته والمساهمة الأمنية – غير المباشرة- تمثل خدمة للمشروع الأميركي ضد المقاومة العراقية".

بعيداً عن منطق "التحريض" والاتجاه الذي يتخذ مواقف مسبقة من الجماعة ويدفع لتصعيد الأزمة، ونحن ندين ذلك، إلا أنّ زيارة النواب كانت سياسية بامتياز، مثقلة بالرسائل والدلالات الخطيرة. رسميا؛ الزرقاوي كان يمثل مصدر التهديد الرئيس للأمن الوطني، وقد أرسل مجموعات تستهدف مصالح أجنبية ومؤسسات وشخصيات أردنية، وهو وراء عمليات عمان والعقبة وتنظيم الجيوسي الذي أراد تفجير مباني المخابرات العامة وتنظيم الألفية وعدة تنظيمات خطيرة لو حققت أهدافها لضربت الأمن والاستقرار والاقتصاد الأردني. كما يمثل الزرقاوي رمزاً لتيارٍ داخل الأردن يكفر الدولة ويتبنى منطق "التغيير المسلّح"، ينمو هذا التيار بفعل الشروط الاقتصادية والاجتماعية والبيئة السياسية المتوترة، فأي موقف متعاطف مع الزرقاوي من تنظيم بحجم جماعة "الإخوان" يمثل رسالة خطيرة للغاية.

في المقابل؛ فإنّ الإخوان لم يقرأوا جيداً الحساسية الكبيرة لدى مؤسسات الدولة ومساحة واسعة من الرأي العام الأردني لهذا الموضوع. بل في تقديري التبرير الإخواني للزيارة أنها تمثل "ممارسة فردية" زاد من التصعيد، إذ تبدو الجماعة وكأنّها تريد التهرب من استحقاقات الزيارة، من دون توضيح الموقف الحاسم من شبكة الزرقاوي.

المشكلة أنّ التفسيرات والتوضيحات الإخوانية لم تساهم في نزع فتيل التوتر، بل شحنت الموقف، فالقول أنّ المسألة لا تخرج عن "القيام بواجب العزاء" لم يترافق بإدانة الزيارة وسلخها عن معانيها السياسية، أمّا تأييد مواقف الزرقاوي في مواجهة الأميركيين ورفض أعماله داخل الأردن وضد المدنيين، فهذا الموقف يتضمن مشكلات رئيسة:

أولاً؛ يقفز على الاعتبارات الوطنية، التي يمثل فيها الموقف من "تيار الزرقاوي" حدا فاصلاً، ويتجاوزها لصالح مواقف إقليمية (الوضع داخل العراق)، وهو ما يطرح سؤالاً، لدى مؤسسات الدولة، حول مواقف الجماعة فيما إذا كانت تخضع للاعتبارات الوطنية الداخلية أم اعتبارات "فوق وطنية"، وهذا لا يعني مطالبة الجماعة بتغيير مواقفها من الاحتلال الأميركي وقضايا أخرى، لكن لا بد من رسالة مطمئنة للمؤسسة الرسمية حول أولوية الوضع الداخلي في أجندة الجماعة.

 ثانيا؛ حتى لو قام الزرقاوي بعمليات ضد الاحتلال الأميركي في العراق، فلم تكن منطلقاته صحيحة، ولم تبن على قراءة راشدة لدور المقاومة وأهدافها في مشروع الاستقلال السياسي، وكان مشروع الزرقاوي، في الأغلب الأعم، سلبياً يدفع باتجاه وتيرة الحرب الطائفية والأهلية، وأدت عملياته إلى سقوط مئات المدنيين العراقيين. فمقاومة الاحتلال ليست عملاً بلا أفق سياسي- وطني.

 

المفارقة أنّ موقف "إخوان" العراق واضح وصارم من جماعة الزرقاوي. والأغرب أنّ شيخ الزرقاوي أبو محمد المقدسي اتخذ موقفا حاسماً واضحا نقدياً من الزرقاوي، بما لهذا الموقف من كلفة شخصية عالية. كما أنّ التشعب في الموقف من الزرقاوي يؤذي مشاعر كثير من العراقيين، ويقفز على جراحهم، فكما ندين ما تقوم به ميليشيات تابعة لقوى شيعية وفرق الموت التابعة لوزارة الداخلية العراقية ضد السنة وما يقوم به الجيش الأميركي من جرائم ضد المدنيين العراقيين لا بد أن ندين بوضوح صارم جماعة الزرقاوي التي تمارس عنفاً ضد الشيعة.

ثالثاً؛ جعل الموقف من المشروع الأميركي هو رحى الاستقطاب والتجاذب بين الإخوان وغيرهم داخلياً وخارجياً مؤداه أن يكون الزرقاوي وجماعات العنف في مساحة مشتركة مع الإخوان، بما يتجاوز اعتبارات حيوية خطيرة في مقدمتها الدور التنويري المعتدل لجماعة الإخوان، المنسجم مع تراثها الفكري والسياسي، وأدبيات الإمام حسن البنا. ناهيك أنّ منطلقات موقف "الإخوان" فكرياً وسياسياُ من المشروع الأميركي- الإسرائيلي تختلف جذرياً عن هذه الجماعات، ودالّة ذلك الجدال الواضح الذي دار قبل مدة وجيزة بين الظواهري وقيادات في حماس على خلفية المشاركة في العملية السياسية.

قيادة الإخوان ترى أنّ الحملة الإعلامية والسياسية عليها هي جزء من التصعيد المستمر منذ شهور على الجماعة، بهدف الضغط عليها لاتخاذ مواقف لا تنسجم مع رؤيتها ومنطلقاتها. وأرى أنّ الجماعة مخطئة بتبني هذه القراءة، فزيارة النواب لبيت العزاء هي رسالة، بحد ذاتها، تقرأ في سياق التصعيد، كان على الجماعة نزع فتيلها مباشرة، وإذا كنا نتفق أنّ ثمة تيارين في المؤسسات الرسمية تجاه الجماعة؛ تيار متشدد يدفع إلى التصعيد وآخر معتدل يؤكد على دور الجماعة السياسي وعلى أهميتها، فلماذا تعطى "الفرصة" للتيار المتشدد ليضع قطار السياسة الرسمية على سكة أجندته؟!

ما سبق يضعنا أمام طبيعة الأزمة الحقيقية بين المؤسسة الرسمية و"الإخوان" ويمكن تلخيصها بحالة "الفوضى" وغياب القواعد المتوافق عليها. فعلاقة التعايش بين الجماعة والمؤسسة الرسمية خضعت لتوازنات وحسابات سياسية وأمنية انتهت مع الحرب الباردة. ومع عقد التسعينيات اختلفت التوازنات بنيوياً وحدث تحول كبير في المواقف السياسية، لكن بقيت العلاقة تقتات من ميراث التعايش السابق. في السنوات الأخيرة حدث تحول كبير وخطير إذ نقل ملف العلاقة مع "الإخوان" من المجال السياسي إلى الأمني، دون وجود قواعد سياسية جديدة مشتركة متوافق عليها بين الطرفين، ما جعل صيغ العلاقة الدائمة التوتر واحتواء الأزمات.

حل الأزمة يكمن بإعادة ملف الإخوان إلى المجال السياسي وبناء قنوات الحوار معهم، وعلى الإخوان – فقط- تكييف برنامجهم مع الأولويات الوطنية، هذا لا يعني مطالبة الإخوان بالخروج عن جلدهم، ومن الاعتبارات الإسلامية بما في ذلك الموقف من الاحتلال الأميركي، لكن يعني مسألتين رئيستين:

الأولى، التمييز بين الموقف من الاحتلال الأميركي فكرياً وسياسياً وبين إمكانيات وشروط الحركة الصعبة لدولة صغيرة مثل الأردن، في بيئة مضطربة وخطيرة أمنيا وسياسياً، ما يعني أن تكون معارضة الاحتلال الأميركي في سياق عقلاني واقعي منطقي، مدرك لمصالح الأردن والتزاماته.

الثانية، أن تكون مصلحة الأردن دوما هي المحك، الذي تقف عنده الجماعة، كحركة وطنية. فعلى الجماعة أن تجيب على الهاجس الرسمي، بأنها مرتبطة بأجندة المكتب السياسي لحماس، من خلال "فك الاشتباك" التنظيمي من جهة، والاستقلال في القرار والرؤية. وهذا لا يعني التبرؤ من حماس، بل التواصل معها، بمنطق التوازي والاتفاق والاختلاف، بما يخدم الطرفين والمجتمعين في آنٍ معاً.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعقيب بسيط (رشا سلامةّ)

    الأربعاء 14 حزيران / يونيو 2006.
    أستاذ محمد: لي تعقيب بسيط على المتديّنين بشكل عام والإخوان بشكل خاص. لا أعلم من أين ارتأى لهم أنّ كلامهم و أفعالهم هي قرآن لا يجوز العدول عنه؟ حتى الرسول (ص) كان يقبل النقد و الشورى و التصحيح. مشكلتهم أن من يحاول مخالفتهم سيختمون عليه بأختام الريبة و التخوين و الأمركة.
    لذلك أفكارهم و قوالبهم هي ذاتها منذ آلاف السنين لأنّ فكرتهم لا تختمر و لا تعتمل إلاّ في أذهانهم من غير أيّ مرونة أو مبادرة بسيطة لسماع و تدبّر الرأي الآخر.