التصعيد الإسرائيلي، لماذا الآن؟

تم نشره في الأحد 11 حزيران / يونيو 2006. 03:00 صباحاً

تصر اسرائيل في الاسابيع الأخيرة على تصعيد الوضع الأمني، نحو تدهور جديد، رغم تقارير عسكرية اسرائيلية داخلية تؤكد ان وقف اطلاق القذائف الفلسطينية من قطاع غزة باتجاه مواقع اسرائيلية لا يأتي من خلال الحل العسكري، وقد وصل هذا التصعيد مساء يوم الجمعة الأخيرة الى ذروة مؤلمة، امام واقع الارقام الكبيرة "فقط" لعدد الشهداء الذين يسقطون يوميا على مذبح الاحتلال الاسرائيلي، على الرغم من أنّ إسرائيل تقتل تقريبا يوميا فلسطينيين، في جميع المناطق المحتلة منذ العام 1967، لكن للآسف فإن رد الفعل الغاضب بات يظهر حين يكون الرقم "كبيرا"، وهذه احدى مآسي التأقلم مع الجريمة المستمرة.

مشهد يوم الجمعة كان مؤلما الى حد من الصعب وصفه، فقد رأينا تلك الفتاة تبكي والدها، وفي النشرة الاولى والثانية تأثرنا كثيراً، ولكن بعد توالي النشرات صدمنا انفسنا بالسؤال: ماذا كان يفعل الطاقم الصحافي امام هذه الطفلة؟ لماذا تركها كل هذه الفترة وحدها؟ هل من اجل التقاط صور مثيرة؟ إنه سؤال صارخ ولكن معالجته ستأتي لاحقا.

من الصعب التحرر من الانطباع ان التصعيد الاسرائيلي في قطاع غزة في الاسبوع الماضي، على وجه الخصوص، كان مجرد صدفة، أو "خطأ" حسب تعبير وزير الحرب عمير بيرتس، الذي عبر عن "أسفه"، فدموع الجزار لا تبرئه من الجريمة.

في هذه الايام يكمل اولمرت جولة لقاءاته مع زعماء في العالم والمنطقة، وسيتوجه للقاء الزعيمين البريطاني والفرنسي، وقبل ذلك التقى الرئيس الأميركي، ثم الرئيس المصري حسني مبارك، والملك عبدالله الثاني، وفي اللقاءات الثلاثة الأخيرة كانت الاجابة التي تلقاها اولمرت واضحة، وهي ان عليه الاتجاه نحو المفاوضات، وهو يعلم ان الموقف نفسه سيجده في اوروبا.

والرسالة كانت شديدة جدا في الاردن ومصر، كما يؤكد ذلك المقربون من اولمرت في وسائل الاعلام، بمعنى ان اولمرت قرأ المستقبل قبل ان يلج فيه، وأكثر من هذا، فقد قرأ الصحافة الاسرائيلية، وما كتبه كبار المحللين الاسرائيليين، الذين "بشروه" بأنه مقبل على ورطة، اسمها "الاستفتاء الفلسطيني العام بشأن وثيقة الاسرى"، وللحقيقة فإن اول "المبشرين" بهذه الورطة، كان عضو الكنيست من حزب "العمل"، ورئيس جهاز المخابرات العامة الأسبق، عامي ايالون.

فقد كتبت الصحافية سيما كدمون، المحللة في صحيفة "يديعوت احرنوت"، يوم الجمعة الأخير: " ليس صدفة سارع ابو مازن لتبني وثيقة الاسرى: لقد فعل هذا من اجل ان يسحب البساط من تحت الادعاء الاسرائيلي، الذي كان صحيحا حتى لحظة سابقة، وهو أنه لا يوجد شريك للمفاوضات في الجانب الفلسطيني، فقد اراد الرئيس الفلسطيني القول: ها أنا هنا، لقد حصلت على تكليف من خلال الاستفتاء العام، أو من خلال الاجماع الوطني، على اساس وثيقة فيها توجه ايجابي للشروط والخطوط التي وضعتها اللجنة الرباعية الدولية، والآن ليس بامكان اسرائيل الادعاء ان الحديث يجري عن "صوص ممعوط"، إلا إذا كانت الجهات نفسها (في اسرائيل) التي تتخوف من الدخول الى مفاوضات، ومن ناحيتها فالاجراء احادي الجانب هو نوع من الهروب من المواجهة الحقيقية".

وتابع كدمون: "إذا نجح ابو مازن في الضغط على حماس لاجراء الاستفتاء، فإنه سيضع اسرائيل في زاوية ليست مريحة قطعاً، فدفعة واحدة سيكون هناك ضغط عظيم على اولمرت من اجل اجراء مفاوضات مع الفلسطينيين، دون ان يفرض طلبا لنزع اسلحة حماس، والعالم سيحفز ويضغط على اولمرت للشروع في مسار خطة الطريق من دون تنفيذ البند الاول فيها (نزع الاسلحة)".

وتضيف كدمون:إن ابو مازن يحظى بتأييد دول الغرب والولايات المتحدة، وهذه الدول لا تريد التفريط بقيادة ابي مازن، " وهذه بالضبط مشكلة اسرائيل، فهي ليست جاهزة لامكانية كهذه (اجراء مفاوضات مع الفلسطينيين)، فهي لم تعد سيناريو في حال مفاوضات على اساس وثيقة السلام السعودية (العربية)"، وتقول: "... بكلمات أخرى كل انجازاتنا في اقناع العالم ضد حماس وعزلها، ستتحول الى ضربة مرتدة ضدنا في اللحظة التي سيفوز بها ابو مازن".

يقول واحد من ابرز المحللين السياسيين في اسرائيل، ألوف بن، في مقال له في (هآرتس): إن أولمرت توقع أن قادة العالم الذين ابدوا إعجابهم بشجاعة أريئيل شارون بسبب تفكيك عدد قليل من المستوطنات، سيشترون البضاعة الجديدة بتلهف: إخراج المستوطنين والاقتراب إلى حد كبير من الخط الأخضر. ولكنه تفاجأ حين رأى أن العالم لم يتحمس. وقال له "اذهب وتحدث مع أبي مازن ثم عد إلينا".

ويتابع بن: أن اولمرت لم يأخذ بالحسبان الحملة الاعلامية الدولية التي سيديرها الفلسطينيون "ضد خطته، وأنهم سينجحون في التأثير وفرض الاتجاه المضاد في الرأي العام الغربي وعرض "خطة التجميع" كمخطط إسرائيلي لمصادرة الأراضي والضم والاحتلال والاضطهاد والابرتهايد". في حين أن " الإعلام الإسرائيلي سيواجه صعوبة في صد الحملة الفلسطينية، لأن السياسة غير واضحة، فكيف سيسوق الاعلام "خطة التجميع" في حين ان الحكومة لم تقرها بعد؟".

ويقول بن: إن إسرائيل لا تزال تحت تأثير المفاجأة. وكما في قضية الجدار (الفاصل)، فقد تبين أيضا الآن أن النقاش الداخلي في إسرائيل منفصل عن الأجندة العالمية. ما نراه في البيت كانسحاب وتنازل كبير، فإنه يتم عرضه في العالم كإجراء قاس ضد شعب واقع تحت الاحتلال ومسكين.

وما هو واضح أن اولمرت بدأ يبحث عن المخرج من "الورطة"، المتمثلة بطاولة المفاوضات، واسرائيل بالفعل قد تخضع لضغط دولي. من الطبيعي انه ليس على شكل الضغط الذي نشهده ضد دول عربية وغيرها، ولكنه يبقى ضغطا، فالاستسلام لمقولة ان العالم "وحيد القرن"، هو نوع من اليأس، فالحكومات الغربية في نهاية المطاف مضطرة ايضا للخضوع للرأي العام في بلادها، فمثلا، لولا الرأي العام العالمي، لما كان نظام الابرتهايد في جنوب افريقيا سينهار، رغم قوة النظام واقطابه اقتصاديا.

هذه ليست المرّة الأولى التي تهرب فيها اسرائيل نحو التصعيد العسكري، من اجل الابتعاد عن طاولة المفاوضات، فهي تتوقع ردا عملياتيا فلسطينيا، حتى في العمق الاسرائيلي، ولكن في هذه المرّة ارادت أمرا اضافيا، فالى جانب استدعاء عمليات فلسطينية انتقامية، تريد ايضا دب حالة اليأس في الشارع الفلسطيني، الذي لن يكون في ايام الغضب جاهزا لاستيعاب حتى وثيقة مثل "وثيقة الأسرى".

حين يكون الدم يغلي من الصعب التحدث بهدوء، وعلى مذبح الاحتلال سقط عشرات الآلاف، ولا نزال نعد الضحايا، فالمعركة ليست سهلة امام احتلال مجرم، وإذا استوعبنا ان الجريمة هي محاولة لفك ضيق المحتل، فعلينا معرفة كيف ان نزيد هذا الضيق.

*صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق