فلسطين بلا مقاومة

تم نشره في الأربعاء 7 حزيران / يونيو 2006. 02:00 صباحاً

المشهد الفلسطيني الداخلي يقول إنّ الحكومة الفلسطينية تتعرض لحصار وضغوطات من اطراف عديدة فلسطينيا وعربيا ودوليا، وان افشال هذه الحكومة او دفعها للاعتراف بإسرائيل هو هدف هذه الجهات، دون ان تراعي هذه الجهات ان الانتخابات وخيار الناس جاء بهذه الحكومة.

لكنّ لهذا المشهد جانبا آخر يتعلق بالمقاومة العسكرية التي كانت حماس تشكل عمودها الفقري، وهذا المشهد يشير الى خروج طوعي لحركة حماس من العمل العسكري ضد الاحتلال منذ بدايات عام 2005، اي بعد توقيع الهدنة بين الفصائل الفلسطينية، وكانت الهدنة حتى نهاية العام الماضي لكنها استمرت بفعل التوافق الفلسطيني الداخلي، ثم جاءت الانتخابات وحكومة حماس التي رأت بأنّ مصلحتها في استمرار وقف أعمال المقاومة.

ويظهر في المشهد الفلسطيني أنّ حركة الجهاد الاسلامي هي من بقيت تمارس اعمال المقاومة، لكن ضمن امكاناتها المحدودة، كما انها اصبحت خلال الفترات الاخيرة هدفا مباشرا لقوات الاحتلال عبر الاغتيالات والاعتقالات، ربما لقناعة الحكومة الصهيونية ان السياسة حيدت، ولو مؤقتا، فصائل المقاومة في فتح وحماس، وان الفرصة مواتية لضرب البنية التحتية للعمل العسكري في حركة الجهاد.

وكما ان سيطرة فتح، خلال السنوات الماضية، على الحكم جعلت من العمل المقاوم محدودا او جزءا من رسائل سياسية، فإن تشكيل حماس للحكومة جعل من القيام بأي عمل عسكري ضد الاحتلال يضر بمصلحة الحكومة ويزيد من الضغوطات والتحديات؛ اي ان فتح، وحماس من بعدها، وضعت قانونا غير مكتوب، لكنه اقوى من كل القوانين، قاعدته الرئيسة هي "أنّ من يتولى الحكومة يعطي لنفسه مبررا وشرعية لأن يعطل عمله العسكري". واذا كان هذا المنطق واضحا بالنسبة لفتح والسلطة لأنها تمارس تفاوضا مع اسرائيل، فهي ترى في السلام خيارا استراتيجيا، لكن استمرار القانون متعاقبا على حكومات بعضها يؤمن بالتسوية وآخر لا يؤمن بها يعني ان هذا القانون يصبح محل اجماع فلسطيني من دون الحاجة الى حوار حوله في القاهرة او رام الله.

لا نتحدث هنا عن قناعات الحكومات الفلسطينية او الفصائل، ولكن عن الممارسة العملية التي تتفوق عما هو مكتوب، وما يزيد الامور صعوبة على فكرة المقاومة وسهولة على الاحتلال ان الاجنحة العسكرية للحكومة والمعارضة انشغلت في الاستعراضات؛ في السيطرة على الشارع وتملّك نقاط دوريات اكثر في شوارع غزة او قرى الضفة، فدخلت هذه الاجنحة العسكرية في اشتباكات وسقط قتلى وجرحى، ودخل الجميع في صراع على سلطة يملكها طرف ثالث وهو الاحتلال.

البعض يحب ان يصل بالنقاش الى حد تحميل المسؤولية لطرف، وهنا يمكن القول إن الحكومة المنتخبة تتعرض لضغوطات وتحديات، وان المعارضة تمارس بحقها استفزازا، لكن هذا يعني ان القضايا الكبرى تحتاج للحكمة ممن يملكها لا ممن يقفز عنها.

فلسطين بلا مقاومة، وحركة الجهاد تحاول فعل شيء، لكن الامكانات محدودة والضربات الصهيونية متلاحقة عليها، وقوى حماس دخلت مرحلة التوقف خدمة لاستقرار الحكومة الذي لم يتحقق بفعل الظروف والضغوطات، والقضية ليست في مرور عام ونصف على وقف العمل العسكري، بل في تشكيل حالة فلسطينية ظاهرها العمل السياسي، لكن حقيقتها تحول (البأس) الفلسطيني بين قواه؛ حكومة تحمل هم توفير الرواتب، وشعب لا يريد الفساد ولا اسرائيل، لكن الجوع والاقتتال الداخلي يؤلمه ويحزنه.

 الى وقت قريب كان الناس يحملون جثث الشهداء الأبرار من ضحايا الاغتيالات الصهيونية، لكن تحول اولويات المرحلة جعل الناس تحمل على اكتافها اجساد القتلى من الاغتيالات الداخلية وضحايا اشتباكات الاشقاء، فغاب مصطلح الشهداء لمصلحة مصطلح القتلى.

 كل التعاطف مع الحكومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني في مواجهة الحصار والجوع والضغوطات، لكن علينا دائما ان لا نغرق في تفاصيل اللحظة السياسية عن الآثار التي تتركها المرحلة على الابعاد الاستراتيجية في صراع الفلسطينيين مع الاحتلال. فخط المقاومة لا يتعامل به البعض لإيمانه بالتسوية، ولا يمارسه اخرون لأنهم يدفعون ضريبة عمل سياسي يفتقد شروطه، لكن الصورة العامة ان اسرائيل تجد نفسها في راحة نسبية، فهي آمنة من عمليات المقاومة الكبرى، باستثناء محاولات محدودة او صواريخ تفهم كرسائل وليس مقاومة.

فلسطين بلا مقاومة، كان يمكن استيعاب هذا الامر سياسيا، لكن غياب المقاومة رافقه تجويع الناس وضغوطات على حكومة منتخبة، وميليشيات تملأ الشوارع، واجواء تفتح الباب لاسرائيل، وجيش العملاء، واشتباكات وضحايا، والخاسر هو قضية فلسطين، حتى لو كسب بعض الفرقاء امورا شخصية او فصائلية.

[email protected]

التعليق