د.باسم الطويسي

في يوم ميلاد برناند لويس: خريطة جديدة للعالم العربي!

تم نشره في الأحد 4 حزيران / يونيو 2006. 02:00 صباحاً

شهدت الأسابيع الماضية تسخينا للمقولات النظرية التي طالما تحدثت عن إعادة تقسيم العالم العربي من جديد، عبر الدعوة إلى نقل تلك الأفكار من الأطر النظرية إلى مطابخ الاستراتيجيات؛ إيذانا بنهاية حقبة بدأت مع نهاية الحرب العالمية الأولى وأخذت شكلها الواضح في الكيانات الوطنية مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

وإحدى المناسبات التي أبرزت تحول هذا الخطاب إلى منحى استراتيجي عملي ما نقل من كلمات وإشارات لساسة واستراتيجيين أميركيين في حفل الميلاد التسعين لشيخ المنظرين لتقسيم العالم العربي برناند لويس، ومن المصادفة ان عمر لويس يساوي تقريباً عمر مشروع التقسيم الأول الذي مر عليه تسعون عاماً أيضا.

أبرز المتحدثين في الميلاد التسعيني السناتور جوزيف بايدن الذي فتح شهية النقاش حول تقسيم العراق على أسس مذهبية وعرقية للخروج من المأزق العراقي لكل من الأميركيين والعراقيين معاً، وخلال الشهر الماضي أخذ هذا السيناريو طريقه للتفاعل في الأوساط السياسية والفكرية الغربية تحت مسمى "التقسيم المؤقت" للعراق على أساس انه يعبر عن مبادئ دستورية قائمة تحتاج إلى تفعيل من قبل سلطات الاحتلال؛ بمعنى ان الخيارات الاستراتيجية الأميركية والغربية حول مستقبل الشرق الأوسط أخذت بالعودة إلى محفل برناند لويس الذي لم يتوقف عن ترديد سيناريو منح مجتمعات الشرق الأوسط "فرصة للتنفس" من خلال التعبير السياسي والكياني عن تعدد الهويات العرقية والدينية والمذهبية، وهو سيناريو لم يتوقف لويس، المعروف بعدائيته المقيتة للعرب والمسلمين، عن طرحه منذ عقود طويلة، منذ ان أمم عبد الناصر قناة السويس مروراً بخطة إعادة التجزئة التي طرحها مع بداية الثمانينيات وعلى أساسها أتخذ من لبنان آنذاك نموذجاً ومنطلقا لتنفس الهويات بالرصاص والدخان عبر التدخل والاحتلال.

عاد لويس بقوة في مطلع التسعينيات ويقال انه الأب الروحي لنظرية "صدام الحضارات" والمرجعية الفكرية للمحافظين الجدد أكثر من شتراوس نفسه، وبعد هجمات أيلول 2001 وصل هذا المستشرق قمة مجده حينما لم تجد الإدارة الأميركية والعديد من النخب الغربية تفسيراً لما حدث إلا بالعودة للمنجم الفكري الذي خلفه وأصبحت مقولات لويس في كتبه وأبحاثه: "عودة الإسلام" و"جذور الغضب الإسلامي" و"مستقبل الشرق الأوسط" و"أزمة الإسلام: الحرب المقدسة والإرهاب المدنس" المرجعية النظرية لاستراتيجيات الأمن التي تقودها الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي، وهو ما يؤكده تحليل الخطاب السياسي للإدارة الأميركية قبيل احتلال العراق في تبريرها للغزو، وينسحب ذلك على ما تبع الولاية الثانية للرئيس بوش من سياسات فهو صاحب نظرية نهاية مرحلة الاستقرار التي صانتها الولايات المتحدة مع أنظمة عربية مستبدة وأدامت خطة التقسيم الأولى على مدى خمسة عقود.

من المفارقات ان لويس في آخر عامين تاب عن الشتائم المباشرة، وأخذ يقدم نفسه بقناع أكاديمي أكثر رزانة وهو يرى أفكاره تنتقل من رفوف المكتبات إلى الأرض، طارحا صورة متفائلة؛ بأنه ما تزال هناك فرصة لإصلاح الشرق الأوسط، وأخذ يردد ما يردده المثقفون الديمقراطيون العرب في نقد الذات، وبين فينة وأخرى يعود إلى طبعه من جديد ليدعو الولايات المتحدة هذه المرة بأنّ الحل في الشرق الأوسط يكمن في إعادة استعمار العالم العربي.

ولد برناند لويس لعائلة يهودية شرقية في عام 1917، في الوقت الذي ولدت فيه تقسيمات (سايكو بيكو وسان ريمو)، وعمل ضابطاً في الاستخبارات العسكرية البريطانية في السنوات التي شهدت تحول الجيل الأول من خرائط التقسيم إلى حقائق، وعمل خلال عقود عمره الخمسين التالية للتنظير للجيل الثاني من خرائط التقسيم، بل بقي أكثر الدعاة لها.

سيكون العراق هو الرهان الأخير للعبة المسطرة والفرجار، بينما خرائط الجيل الأول من التقسيم بالية وينتظرها الزوال.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق