قبل أن يفوت الأوان

تم نشره في الأربعاء 31 أيار / مايو 2006. 03:00 صباحاً

لم يكن إياد يعلم حين عاد إلى الأردن من بريطانيا قبل يومين أنه سيعود للوطن دون شهادة الزمالة البريطانية في جراحة العظام والمفاصل، تلك الشهادة التي سافر من اجلها قبل عامين. ولم يكن والده الجراح المتخرج من بريطانيا نفسها يتوقع أن يحدث هذا حتى في أسوأ كوابيسه.

اتجه الأردنيون تاريخيا وتقليديا لبريطانيا للتخصص في الجراحات بمختلف انواعها واتجهوا كذلك للولايات المتحدة للتخصص في الأمراض الباطنة وفروعها منذ ما يقرب من العشرين سنة. فجولة بسيطة لقراءة يافطات العيادات الطبية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك على هذا الأمر: الجراحة في بريطانيا والباطنية في الولايات المتحدة. وهناك متخصصون من دول اخرى، ولكن النمط واضح.

تطلب مؤسسات التعليم الطبي المتقدم في بريطانيا من خريجي الدول الأخرى أن يجتازوا امتحانا باللغة الإنجليزية وهو مطلب مشروع، وامتحانا آخر لقياس مدى الكفاءة الطبية يسمى امتحان الـ (Professional and Linguistic Assessment Board Exams)  PLAB. يعقد هذا الامتحان الأخير في دول عدة في الشرق الأوسط وتعقد بعض أجزائه في بريطانيا نفسها، وهو أمر مكلف ولكنه مشروع.

وتطلب مؤسسات التعليم الطبي المتقدم في الولايات المتحدة كذلك اجتياز امتحان طبي من ثلاثة أجزاء يدعى(United States Medical Licensing Examination ( USMLE، يعقد ثالثها دوما في الولايات المتحدة. ولهذه الامتحانات كلفة كبيرة ولكنه مطلب مشروع كذلك.

يعتمد التعليم الطبي المتقدم للتخصص في الولايات المتحدة الأميركية علي ما يسمى ببرامج الإقامة المبرمجة المتدرجة، والتي يتم فيها إلحاق الطبيب الراغب بالاختصاص بعد أن يجتاز الامتحانات المطلوبة للقبول وبعد أن يتم اختياره من خلال برنامج القبول الوطني للولايات المتحدة، يتم إلحاقه بمستشفى يمكث فيه طوال مدة تخصصه إلى أن يتخرج، وعليه اجتياز امتحانات سنوية ويفصل من البرنامج في حالة رسوبه في احدها في أي سنة. بعد أن ينهي الطبيب مدة الإقامة يتقدم لامتحان البورد الأميركي فإن اجتازه أصبح اختصاصيا وإن لم يجتزه بقي طبيبا مؤهلا.

كان التعليم الطبي المتقدم في بريطانيا تقليديا يعتمد على مبدأ "التتلمذ" أو مبدأ "صبي المعلم".  إذ بعد أن يجتاز امتحان الكفاءة يقوم الطبيب الراغب في التخصص "بتدبير" مكان للتدرب لمدة شهر أو ما شابه ذلك.. وعادة ما يتم هذا الترتيب عن طريق أساتذة الجامعات أو المعارف. المهم أنه وخلال هذا الشهر المسمى تقليديا "بشهر الإلحاق" على الطبيب البحث عن مكان للتدرب أو ما يسمى في بريطانيا وظيفة. يتم البحث عن الوظائف في المجلات الطبية البريطانية، ويتم التقدم لها، ويرفض من يرفض ويدعى للمقابلة من يدعى ويأخذ الوظيفة احد المتقدمين.

عادة ما تكون الوظائف لمدة ستة شهور واقلها لمدة سنة. على الطبيب أن يعيد الكَرّة من البحث والتقدم والمقابلة في نهاية هذه المدة وقد يجد الوظيفة المناسبة وقد لا يجد. لكنه في اغلب الأوقات يبحث عن وظيفة في مستوى أعلى من تلك التي كان فيها، ويبقى كذلك إلى ان يحقق الشرط الزمني لعدد السنوات اللازمة للتقدم لامتحان الزمالة البريطانية.

خلال مدة التدرب لا تجرى امتحانات للانتقال من سنة لسنة او من مستوى لمستوى أعلى، أي أن التدريب ليس مبرمجا ولا متدرجا. عندما يعتقد الطبيب بينه وبين نفسه انه قد وصل للمستوى العلمي المطلوب من التحصيل، يتقدم لامتحان الزمالة البريطانية وقد ينجح فيصبح اختصاصيا وقد لا ينجح فيعيد الامتحان إلى أن ينجح فيه.

أدرك القائمون على التعليم الطبي المتقدم في بريطانيا قبل عدد من السنوات أن التدريب على الطريقة الأميركية يضمن أن لا يصل لامتحان الزمالة إلا من كان مؤهلا بعكس النظام البريطاني الذي لا يضمن ذلك فقرروا أن يغيروا الطريقة لتصبح كالنظام الأميركي. ولتحقيق ذلك استنبطوا ما يعرف حاليا بالوظائف المرقمة. فإن أراد الطبيب التدرب للحصول على الشهادة عليه الالتحاق بوظيفة ذات رقم.

صاحب ذلك تغيير في متطلبات الشهادة فبعد أن كانت من جزأين أصبحت أربعة، يمكن اجراء الثلاثة الأولى منها في أي مكان في العالم، لكن الجزء الرابع لا يجرى الا في بريطانيا ومن خلال وظيفة ذات رقم، وهنا بدأت أول المشاكل فالحصول على هذه الوظيفة أمر في غاية الصعوبة: بمعنى أن الطبيب قد يمكث في بريطانيا ثلاث سنوات متنقلا من وظيفة لأخرى ثم يصل لوقت لا يتمكن فيه من الحصول على الوظيفة المرقمة، فماذا يفعل؟ لا يمكنه أن يتقدم للجلوس للامتحان وعليه العودة لوطنه دون تحقيق أي شيء. كان بعض الأطباء القلائل محظوظين فحصلوا على وظيفة ذات رقم وبقي الآخرون يحاولون ولكنهم لم يكونوا يعلمون بأن الأعظم قادم.

بعد توسعة الاتحاد الأوروبي أعطي المواطنون من الدول الجديدة المنضمة للاتحاد الأولوية في هذه الوظائف، فالأولوية للبريطانيين ومن ثم لأطباء دول الاتحاد القديمة والجديدة، وعليه أصبحت فرص أبنائنا شبه مستحيلة. قالت السلطات البريطانية أن بإمكان الأطباء من الجنسيات غير أصحاب الأولوية الالتحاق إن كانوا يحملون "الفيزا للمؤهلين تأهيلا عاليا"، عليك أن تسجل 75 نقطة من 100 نقطة عند التقدم لها، لا اعتقد أن أحدا من أطبائنا الراغبين في التخصص سيتمكن من اجتياز حاجز الستين نقطة، فالنقاط تعتمد على أمور لا يمكنهم تحقيقها.

اصبح الوصول لمراكز التدرب في الولايات المتحدة الأميركية صعبا للغاية بعد احداث أيلول 2001 والتدرب في بريطانيا شبه مغلق، والفرص الجديدة كمثل استراليا توقفت بعد أن أصدرت الحكومة الحالية فيها قرارا يقضي بأن التدرب هو للأستراليين فقط في برامج الإقامة..... ولابد أن يمتد هذا التوجه شمالا وجنوبا في تلك الدول التي يوجد طلب كبير على التعلم فيها.

لنعد للطبيب إياد، إذن، فبعد أن مكث في بريطانيا سنتين تنقل فيها هنا وهناك، تقدم بطلب لوظيفة ذات رقم. وكم كان سعيدا عندما علم أنه قد تم وضعه في قائمة صغيرة من المتقدمين وأن المسؤولين سيستدعونه للمقابلة بعد أسبوع أو ما شابه. بعد عشرة أيام اتصل به من يبلغه بالاعتذار عن المقابلة "لأنه قد صدر قرار بالأمس يعطي الأولوية لمواطني الاتحاد الأوروبي". راجع المجلس الطبي البريطاني دون جدوى، ثم راجع الملكية الأردنية وعاد.

إنّ ما حققه الأردن في مجال الخدمات الطبية والعلاجية بني على أكتاف أطباء أكفاء حصلوا على أحسن الشهادات في مختلف التخصصات. هل سيأتي وقت لن نستطيع فيه إدامة هذه النهضة الطبية لعدم توفر الكوادر المؤهلة تأهيلا عاليا؟ هل لن نجد الجيل المؤهل من الأطباء للحلول محل الأطباء الحاليين بعد أن يكونوا قد تقاعدوا؟ هل سنلجأ لإدامة هذه الصناعة على أكتاف مستويات اقل مما نرغب؟ وهل نضحي بما حققناه أم أن علينا التفكير فيما يجب علينا عمله لتلافي ذلك قبل أن يفوت الأوان؟

تعاني بعض القطاعات الصحية الأردنية من نقص حاد في الكوادر الطبية المؤهلة تأهيلا عاليا، وهذا اوضح ما يكون في مستشفيات وزارة الصحة نظرا لاستنكاف الكثيرين لتدني الرواتب. إنّ الكثيرين من الملتحقين ببرامج الإقامة يرفضون التقدم لإمتحان المجلس الطبي الأردني لعلمهم بعدم قدرتهم على اجتيازها، ويفضل هذا البعض البقاء موظفا تحت مسمى المقيم المؤهل. إنّ محاولة حل المشكلة بزيادة عدد الملتحقين ببرامج الإقامة عن طريق تخفيض معدل القبول فيها قد يؤدي لالتحاق أعداد اكبر ولكن من أي مستوى؟ هل الهدف تعبئة الشواغر أم رفع مستوى الخدمة الطبية؟ ولابد أن تعاني كليات الطب الجديدة - والتي ستقوم-  من نقص في الأساتذة ستحاول حله مؤقتا على حساب الكليات القائمة، فمن اين ستتدبر هذه الكوادر؟

توجد في الأردن برامج إقامة لتخريج المختصين في الحقول الطبية التخصصية المختلفة بعضها عمره 20 سنة وبعضها غض. هناك برامج في المستشفيات الجامعية والحكومية والخاصة والعسكرية. بعضها مبرمج وبعضها غير مبرمج. بعضها أكاديمي وبعضها مهني. بعض الأطباء يتدرب في مستشفيات مؤهلة وبعضهم في مستشفيات ابعد ما تكون عن القدرة. بعضهم يشرف عليه اختصاصيون أكفاء والبعض الآخر يمكن القول بأن الفرق العلمي بين المعلم والمتعلم قليل. بعض البرامج أجيز من قبل المجلس الطبي بعد التأكد من أهليتها والتزامها بالمعايير،  وبعضها أجيز أو رفض لاعتبارات أخرى.

لابد أن نتدبر الحل الآن، ولقد أثبتنا في هذا البلد قدرتنا على التخطيط والتدريب وعلى إيجاد الحلول للمشاكل قبل وقوعها. أن موضوع هذا النقاش أمر بالغ الأهمية وقد استثمرنا فيه استثمارا كبيرا وعلينا عدم التفريط به.

لابد من توحيد كل هذه الجهود في برنامج وطني واحد قوي يتشارك الجميع فيه ويعملون على نجاحه. برنامج لا يلتحق به إلا الأكفاء تساهم كل القطاعات الطبية في إنجاحه دون أن يكون مُلكا لأحد ويعمل الجميع على إنجاحه. يتدرب من خلاله المتدربون في كل المؤسسات الطبية الأردنية، تلك المؤسسات التي يجب أن تخضع لمعايير جدية للاعتماد دون مراعاة أو هوادة، ويشارك بالتعليم والتدريب فيه الأكفاء من المختصين دون حسد أو مجاملة. عندئذ نستطيع أن نعمل على تأهيل وإنتاج الإختصاصي ذي المستوى المتقدم ولا نعود لنفكر إلى أين نذهب للاختصاص ولا نضع أبناءنا في ظروف صعبة وحرجة ومحبطة.

يبقى ان نقول أن التعرض للخبرة الأجنبية أمر مطلوب وضروري وهو موضوع سهل التدبير من خلال الزمالات التي لا يزال بابها مفتوحا او على الأقل مواربا، ويمكن ان تتم عن طريق الاتصالات الشخصية والمؤسسية.

إنني أوجه الدعوة هنا للمعنيين والمسؤولين القائمين على نهضة هذا الوطن بتشكيل لجنة وطنية لبحث الموضوع، لجنة موضوعية ممثلة للقطاعات ذات العلاقة، تضع الأسس والمبادئ لإنشاء هيئة او مجلس وطني لبرامج الإقامة يعنى بهذا الأمر ويعمل على توفير الظروف العملية والتطبيقية لإنجاحه.

وزير صحة وتعليم عال أسبق

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »the solution (li)

    الأربعاء 31 أيار / مايو 2006.
    شكرا للدكتور وليد اللي وضع يده على وضع خطير جدا اذا اضفنا مصادر الاغراءات الجديدة للاختصاصيين في المراكز الطبية المدعومة جدا في الخليج العربي واللي راح تستنزف تلك الخبرات القديمة المتعوب عليها...الحل هو تضاغر الجهود في هذا القطاع والتركيز على الانسان قبل البنيان..... مراكزنا ومستشفياتنا كبناء ربما من الافضل في العالم نسبة للدخل... المركز العلمي المختص في الامور الصحية لا يحتاج الى مبنى فخم خاص به... فارقا الابحاث تجرى في عدة مراكز ولا يحتاج الباحث الا الى مكتب صغير وكمبيوتر واجراءات تسهيلية وتعاون من الموسسات الموجودة....التعاون وعدم الانانية هو المنقض لهذا الوضع والله الموفق
  • »كلمة حق يجب الاستجابة لها (] د حسن محمد الغانم)

    الأربعاء 31 أيار / مايو 2006.
    يبدو لي أن مقالة معالي الدكتور وليد المعاني فيها من الجرأة و الدقة ما يكفي لواضعي الخطط و السياسات الطبية في بلدنا العزيز بضرورة التفكير بما جاء من معاليه و حل هذه المشكلة.
    بارك الله فيك يا د وليد و بأمثالك من أبناء هذا الوطن الغيورين.